من أريكة العلاج إلى كرسي التجميل
بعدما أُعلِنَ تحويلها إلى عمل سينمائي، قرّرت أن أقرأ رواية نورا ناجي "بنات الباشا" قبل مشاهدة الفيلم المُرتقب. وأنا أغوص في صفحاتها، فورًا خطر في بالي صدى رواية "عشر نساء" لمارثيلا سيرانو. إنّ هذا التداعي لا يشي بمجرّد تأثّر عابر، بل يكشف عن مقاربة أدبية واعية تستعير هيكلاً قصصياً مُحكماً يقوم على العدد عشرة، وتُعيد تشكيله ليتناسب مع روح الثقافة المحلية.
لقد أسّست سيرانو في "عشر نساء" لـ ميثاق البوح الشافي عبر جلسات العلاج النفسي؛ فكانت العيادة فضاءً حميمياً لـ تفكيك الصدمات العائلية والأسرية، وتعرية أسطورة الأمومة المثالية من دون خوف من التابو الاجتماعي. كان هذا هو المنبع الأوّل لجعل الألم الأنثوي مشروعاً للنقاش؛ فالألم يبدأ من البيت، ولا يبدأ الشفاء إلا بالاعتراف في دائرة من النساء المُتآلفات.
أما نورا ناجي، فهي تقدّم لنا في "بنات الباشا" نموذجاً موازياً بعبقرية تحويل؛ إذ تبدّل أريكة الطبيب بـ مركز التجميل. وكما في الأصل، تضم الرواية عشر نساء أيضاً. هذا التبديل يُحوّل الكوافير، الذي يُعنى بالزينة الخارجية والزيف الظاهر، إلى ملاذ للونس والاعتراف للنفوس المُتعَبة الهاربة من القهر. ومع ذلك، فإنّ إبقاء سلطة "الباشا" (الرجل المالك) قائمة في الخلفية، يُبقي على ثيمة الخضوع لسلطة ذكورية خارجية تحكم هذا الملاذ، مما يجعلنا نتساءل: ألم يكن الأحرى أن تكون صاحبة الصالون امرأة لتكتمل رمزية النسوية والانعتاق؟
ويكتمل التجانس النقدي للعملين في توسيع دائرة الاغتراب والبوح لتشمل الهُويّة والتوجّهات. فكما تعمّدت سيرانو وضع شخصية مثلية في "عشر نساء" لتسليط الضوء على آلام الهامش، كذلك نجد شخصية مماثلة في رواية ناجي. هذا إلى جانب إدماج شخصية الاغتراب القومي، حيث تضع سيرانو مها الفلسطينية لتربط الألم الشخصي بألم الهُويّة والنزوح السياسي، بينما تضع ناجي اللاجئة السورية لتؤكّد أنّ المعاناة ليست محلية، بل هي صدى للصدمات العابرة للحدود. إنّ هذه النساء، اللاتي يروين قصصهن في كلتا الروايتين، لسن مجرّد شخصيات؛ بل يمثّلن صورة جماعية لأشدّ المخلوقات بؤساً في مواجهة عنف الأسرة والمجتمع. وحتى التفاصيل الدقيقة، كوجود شخصية في "عشر نساء" تهتم ببالغ التفاصيل بـ المانيكير وقصّ الشعر وصبغه بوصفهما واجهة لألمها العميق، تتسق مع تحويل صالون التجميل إلى بؤرة للبوح.
أنّ تموت وحيداً في صمت هو الثمن الباهظ لجسد يحمل تاريخاً مؤلماً لا يمكن البوح به بالكامل
هذا التشابه في توظيف العدد عشرة، والمكان الأنثوي المُغلق، ومحور الصدمة العائلية، وتمثيل الهامش المُتنوّع، كلّه جعلني أتساءل بحدسٍ نقدي: هل استوحت نورا ناجي فكرة البنية الأساسية لروايتها من "عشر نساء"؟
لكن يبقى الفارق الأكثر عمقاً وإيلاماً في رواية نورا ناجي هو مصير نادية. ففي حين أنّ كلّ امرأة من التسع وُهبت فصلاً وصوتاً لتروي حكايتها، ظلّت نادية، التي كان انتحارها الشرارة الأولى للبوح، والتي كانت الأم الوجدانية التي احتضنت أحزان الآخرين واهتمت بمآسيهم، هي الوحيدة التي لم يُمنح لها فصل خاص. هذا الصمت المطبق على قصّتها يمثّل ذروة المأساة الإنسانية. وكأنّ الكاتبة جعلت من نادية روحاً تراقب كلّ هذا البؤس، شخصية ذائبة في الآخرين بلا مُتسع لذاتها، لتصبح نهايتها الصامتة أشدّ صفحات الرواية ألماً وصدقاً، ودليلاً على أنّ حتى الحاضنة الوجدانية، التي تمنح النور للجميع، قد تختار الغياب بصمت قاتل.
في الختام، تتجسّد الفلسفة المشتركة للعملين في كلمتين مروّعتين: العزلة والتاريخ المحمول. تقول سيرانو في "عشر نساء" إنّ "الأجساد تختزن التاريخ، وجسدك هو تاريخك في نهاية المطاف لأنّ كل شيء مُتضمّن فيه". وإذا كان الجسد هو سجل القهر والصدمات، فمن المنطقي أن تتمنى الشخصيات الانفلات من شهود هذا التاريخ، تمامًا كما تتمنى إحدى شخصيات نورا ناجي في "بنات الباشا": "نحن جميعاً وحيدون، ما يهمني ألا أموت أمام أحد، لا أريد أن أموت في انفجار أو الشارع أو مكان عام، أريد أن أموت في منزلي بصمت". هذا الرجاء الحميمي يختزل الروايتين؛ فأن تموت وحيداً في صمت هو الثمن الباهظ لجسد يحمل تاريخاً مؤلماً لا يمكن البوح به بالكامل.