ماذا بعد استهداف الدوحة؟

11 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:41 (توقيت القدس)
+ الخط -

مع تسارع وتيرة التحولات في المنطقة، تشير التطورات الأخيرة إلى بداية مرحلة جديدة، خاصة بعد العدوان الإسرائيلي الذي استهدف قيادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في دولة قطر، على الرغم من أنها عملية عسكرية غير متوقعة، لكنها تفتح الباب أمام احتمالات واسعة.

ولا يمكن عزل هذا الاعتداء الغادر في الدوحة عن سياق إقليمي معقد تتشابك فيه السياسة والحروب والتحالفات، الأمر الذي يستدعي من جميع الأطراف إعادة النظر في حساباتها، ويعكس توسع الاحتلال الإسرائيلي الذي فاق التصورات السياسية العربية، وخلق واقعاً جديداً من الانفلات والعربدة، فلم يعد الأمر مجرد مواجهة في غزة أو مناوشات حدودية، بل أصبح الخطر حاضراً في أي عاصمة عربية قد تقرر حكومة المجرم نتنياهو استهدافها.

لم يخفِ جيش الاحتلال الإسرائيلي مسؤوليته عن هذه العملية الجبانة، بل تباهى بها في بيان مشترك مع جهاز الأمن الداخلي "الشاباك"، معلناً استهداف قادة الصف الأول في حركة حماس باستخدام ذخائر دقيقة بهدف تقليل الأضرار الجانبية بحسب وصفه، وذلك في محاولة لتبرير قصف استهدف منطقة سكنية في العاصمة القطرية. وكشفت تقارير عبرية أن التخطيط لهذه الضربة استغرق عدة أشهر، وتم تسريعه بعد ما اعتبره كيان الاحتلال تعنتاً من حركة "حماس" في مفاوضات تبادل الأسرى. وأوضح المراسل العسكري لجيش الاحتلال أن العملية نفذتها نحو 15 طائرة مقاتلة أطلقت أكثر من 10 ذخائر جوية متتالية، في مشهد أقرب إلى حرب مفتوحة منه إلى عملية نوعية محدودة، كما جرت عمليات للتزود بالوقود جواً، في إشارة إلى أن العملية لم تكن ارتجالية، بل كانت عملية عسكرية منظمة ومكتملة الأركان، والأخطر من ذلك ما كشفه الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد عن إبلاغ حكومة الاحتلال للإدارة الأميركية مسبقاً، ما يثير تساؤلات حول مدى التنسيق أو التغاضي الأميركي عن هذا الانتهاك الصارخ لسيادة دولة قطر.

بعد تضارب روايات الإعلام الإسرائيلي حول الضربة الموجهة إلى الدوحة، واختلاط التخمينات بالمعلومات، بدأت التغطية الإعلامية تميل إلى قدر من التماسك. إلا أن الاحتفال المبكر والافتراض المسبق بنجاح الضربة حتى قبل أي إعلان رسمي من الأطراف المعنية عكسا تخبطاً سرعان ما تحول إلى تبادل للاتهامات. وفور إعلان العملية سارعت هيئة البث الإسرائيلية إلى افتراض نجاحها، مشيرة إلى أن خيار مهاجمة قطر لم يكن وليد اللحظة، بل طُرح داخل المؤسسة الأمنية بعد يوم واحد من 7 أكتوبر 2023، لكن بعد النشوة الأولية التي أعقبت أنباء النجاح المفترض لعملية قصف الطيران الإسرائيلي لاجتماع قادة حركة "حماس" في الدوحة، والتصريحات الرسمية الاحتفالية الغامضة، بدأت الشكوك في نجاح عملية التصفية تتسع، وتصاعدت حدة التصريحات السياسية والاتهامات المتبادلة بـ"مقامرة" غير موفقة، وبعد ساعات من عدم تأكيد اغتيال قيادات الحركة بدأت التفسيرات تتضارب داخل الصحافة الإسرائيلية بين من يلقي باللوم على الحكومة ومن يلقيه على الولايات المتحدة الأميركية.

"حرص الموساد، المعروف تاريخياً بضلوعه في عمليات الاغتيال، على نفي مسؤوليته عن العملية عبر تسريبات، مؤكداً أنه لم يوافق عليها وأن الشاباك هو من خطط لها"، لكن تصريحات أخرى عادت لتشير إلى مسؤولية مشتركة بين الموساد وبقية المؤسسات العسكرية والأمنية، إذ نشرت صحيفة "إسرائيل اليوم" تحليلًا ليوآف ليمور، أوضح فيه أن قرار استهداف قيادة حركة "حماس" في الدوحة استند إلى ثلاثة اعتبارات رئيسية:

أولاً: فرصة استخبارية نادرة تمثلت في اجتماع غير اعتيادي لقادة حركة "حماس"، أتاح إمكانية ضربهم مجتمعين. ثانياً: قناعة إسرائيلية متزايدة بصعوبة التوصل إلى تفاهمات مع قيادة حركة "حماس" في الخارج، التي تعيش حالة بعيداً عن معاناة غزة. ثالثاً: قيمة الردع المتحققة من كسر محظور استهداف هدف على أرض قطر، التي لطالما استضافت لعقود جولات تفاوضية غير مباشرة بين حركة "حماس" وكيان الاحتلال بمشاركة أميركية ومصرية، وجدت نفسها فجأة هدفاً لصواريخ الاحتلال.

وزارة الخارجية القطرية أدانت بأشد العبارات الهجوم، واعتبرته عملاً جباناً وانتهاكاً فجاً للقانون الدولي ولسيادة الدولة. البيان الرسمي أشار إلى أن الجهات الأمنية والدفاع المدني تعاملت مع الحادث على الفور، واتخذت إجراءات لحماية المدنيين واحتواء تداعيات القصف.

هذا الموقف يعكس إدراكاً قطرياً لخطورة المساس بأمنها الداخلي، فالهجوم لا يهدد فقط الفلسطينيين المقيمين على أراضيها، بل يُدخل دولة قطر ذاتها في مواجهة مباشرة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما قد يعقّد دورها وسيطاً تقليدياً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. الرسالة القطرية كانت واضحة: "لن نتهاون مع أي سلوك إسرائيلي متهور"، ما قد يعني تحركات دبلوماسية واسعة في المحافل الدولية لمحاسبة الاحتلال.

العملية في الدوحة ليست مجرد ضربة عسكرية، بل تعكس استراتيجية عدوانية جديدة يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي على ملاحقة قادة المقاومة خارج فلسطين حتى لو كان ذلك في عواصم آمنة ذات سيادة، هذا السلوك يفضح الطبيعة الإجرامية للاحتلال الذي بات يتعامل بمنطق العصابات: لا يلتزم بقوانين دولية، ولا يحترم سيادات، ويستبيح أراضي الآخرين تحت ذريعة "محاربة الإرهاب".

استهداف قادة حركة "حماس" في الخارج يعيد إلى الأذهان سلسلة اغتيالات نفذها الاحتلال في لبنان، وسورية، وتركيا خلال العقود الماضية، غير أن نقل هذا النمط من العمليات إلى الدوحة يمثل تصعيداً خطيراً، إذ يضرب في عمق التحالفات السياسية والاقتصادية بالمنطقة، ويحرج دولاً لطالما سعت للعب دور الوسيط في الأزمات. ولا شك أن هذه العملية الجبانة سيكون لها ارتدادات واسعة على أكثر من مستوى:

  • إقليمياً: تضع هجوم قطر في قلب الصراع وتفتح ملفاً حساساً يتعلق بقدرة الاحتلال على تنفيذ عمليات في منطقة الخليج، دول مثل الكويت وعُمان قد تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف أكثر حذراً تجاه استضافة وفود المقاومة أو حتى فتح قنوات مع أطراف الصراع.
  • دولياً: الهجوم يعكس ازدراءً إسرائيلياً واضحاً للأعراف والقوانين الدولية، ما يفرض على الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسؤولية مضاعفة، فالهجوم ليس مجرد "عملية عسكرية"، بل عمل عدواني ضد دولة ذات سيادة، يمكن أن يرقى إلى مستوى العدوان الدولي.

ختاماً. إن نجاة وفد حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الدوحة من محاولة اغتيال الاحتلال لا تنفي حقيقة ارتكاب الاحتلال جريمة مكتملة الأركان. فالاحتلال لم يكتفِ بالإبادة الجماعية في غزة، بل صعّد الأمر إلى انتهاك سيادة دول أخرى في تحدٍّ سافر للقانون الدولي والنظام الإقليمي العربي.

والرد القطري الحازم يفتح الباب أمام تصعيد دبلوماسي قد يوقع الاحتلال في حرج على الساحة الدولية، ولكنه يضع المنطقة أيضاً أمام اختبار صعب، فهل يكتفي مجلس التعاون الخليجي وبقية الأنظمة العربية بدور المتفرج على جرائم الاحتلال، أم يدركون أن صمتهم اليوم يعني أن الدور سيكون عليهم غداً؟