كمائن حي الزيتون.. ملحمة قسامية تربك الاحتلال

01 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:06 (توقيت القدس)
+ الخط -

تشهد الأوساط الإسرائيلية حالة ترقّب وارتباك بعد الإعلان عن فقدان الاتصال بأربعة جنود خلال الاشتباكات العنيفة في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، حيث أفادت وسائل إعلام عبرية بفرض جيش الاحتلال حظراً إعلامياً صارماً على التطورات الأخيرة هناك، بعد إعلانه سابقاً عن مقتل جندي وإصابة تسعة آخرين، في سلسلة عمليات تكبّد خلالها خسائر متزايدة خلال الأيام الماضية.

وفي تطور ميداني خطير يزيد من تعقيد موقف الاحتلال في القطاع، ذكرت وسائل إعلام عبرية أن الجيش يبحث عن أربعة جنود فقدوا خلال كمين محكم نصبته المقاومة الفلسطينية في حي الزيتون جنوب غزة، مع ترجيحات قوية حول أسرهم.

إن توالي الكمائن في حي الزيتون ليس بالأمر المستغرب على كتائب "الشهيد عز الدين القسام" والمقاومين، في سياق المعارك الدائرة في غزة. فهذا التوالي يحمل عنواناً واضحاً مفاده أن المقاومة لا تزال ممسكة بزمام المبادرة، رغم محاولات الاحتلال فرض واقع جديد في القطاع، ليسجل المقاومون من جديد براعة ميدانية لكتائب القسام وفصائل المقاومة، من خلال استهداف جنود الاحتلال، والنيل من هيبة "الجيش الذي لا يقهر"، وصورته التي اهتزت بشدة على الصعيدين الداخلي والخارجي منذ بدء معركة "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

بدأت الأحداث بتعرض قوة من لواء "الناحال" لكمين في حي الزيتون، ما أسفر عن مقتل جندي وإصابة آخرين، وقبل أن يستوعب جيش الاحتلال الضربة، اندلعت اشتباكات أخرى في حي الصبرة المجاور، استدعت تدخل سلاح الجو الإسرائيلي بالمروحيات لتمهيد الطريق أمام القوات المنسحبة. أما الكمين الثالث، فكان الأعقد والأكثر خطورة، إذ استمرت الاشتباكات في عمق حي الزيتون وسط محاولات من المقاومة لأسر جنود، بالتزامن مع إطلاق قذائف هاون أعاقت وصول فرق الإنقاذ.

ولم يكن هذا التزامن بين الكمائن مجرد صدفة، بل إشارة واضحة إلى أن المقاومة تدير معاركها وفق خطط تكتيكية متقنة؛ فبينما كانت وحدات الاحتلال تحاول فك الحصار عن إحدى نقاط الاشتباك، كانت المقاومة تفتح جبهة أخرى، ما أربك القيادة العسكرية وأفقدها زمام المبادرة. هذا الأداء الذي يجمع بين الكمائن الكلاسيكية وفنون استخدام التكتيكات المبتكرة جعل الجنود أهدافاً سهلة، وهو ما دفع بعض المحللين الإسرائيليين إلى وصف ما جرى بالكارثة الميدانية.

هذا الأداء الذي يجمع بين الكمائن الكلاسيكية وفنون استخدام التكتيكات المبتكرة جعل الجنود أهدافاً سهلة، وهو ما دفع بعض المحللين الإسرائيليين إلى وصف ما جرى بالكارثة الميدانية

وفي ظل تعقّد الوضع الميداني، أفادت تقارير عبرية بأن جيش الاحتلال اضطر إلى تفعيل بروتوكول "هانيبال"، وهو إجراء سري يجيز للقوات استخدام نيران كثيفة حتى لو عرّض حياة جنودها للخطر، بهدف منع أسرهم. تعكس هذه السياسة –التي لطالما أثارت جدلاً واسعاً في إسرائيل– مأزقاً أخلاقياً عميقاً، إذ إن الحكومة التي تدّعي حرصها على استعادة الأسرى، هي نفسها التي تسمح بقتلهم لمنع وقوعهم في قبضة المقاومة. ولم تتأخر الانتقادات، حيث هاجمت منصات عبرية الحكومة، معتبرةً أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو "عاجز عن حماية جنوده"، وأن سياساته المتهورة تدفع الجيش إلى الوقوع في كمائن متكررة. وأشارت صحيفة "حدشوت بزمان" إلى أن كشف الحكومة لتحركات الجيش مسبقاً عرّض الجنود لكمائن محكمة، فيما ذهب آخرون إلى القول إن السلطات الإسرائيلية تكرر الأخطاء نفسها منذ بداية معركة طوفان الأقصى.

وقبل ساعات من الكمين، وجّه أبو عبيدة، المتحدث باسم كتائب القسام، تهديداً مباشراً، مؤكّداً أن "خطط العدو لاحتلال غزة ستتحول إلى وبال عليه، وسيدفع جنوده ثمنها دماً"، لافتاً إلى أن المقاومة في حالة استنفار وتأهب قصوى، وأن فرص أسر جنود جدد تتزايد. هذه التصريحات، التي اعتبرها البعض مجرد دعاية حربية، تجسدت على أرض الواقع في الزيتون، حيث تزايدت احتمالات أسر جنود، خاصة مع فقدان الاتصال بأربعة منهم حتى الآن.

 أما حي الزيتون نفسه، فقد سُجل منذ سنوات واحداً من أكثر المناطق خطورة على الاحتلال، ويُصنَّف داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية "منطقة حمراء"

وإضافة إلى التصريحات، نشر الإعلام العسكري لكتائب القسام صورة تحمل عبارة: "نذكر من ينسى.. الموت أو الأسر"، في رسالة واضحة وموجهة إلى الداخل الإسرائيلي، مفادها أن مصير الجنود معلق بين الموت أو الأسر، وهو ما يزيد من مخاوف عائلاتهم ويضع القيادة في موقف تفاوضي أكثر تعقيداً.

أما حي الزيتون نفسه، فقد سُجل منذ سنوات واحدا من أكثر المناطق خطورة على الاحتلال، ويُصنَّف داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية "منطقة حمراء" نظراً لطبيعته الطبوغرافية المعقدة وكثافة أبنيته. ففي مايو/أيار 2024، فقد الجيش أربعة جنود من لواء الناحال إثر انفجار عبوة ناسفة خلال مداهمة مدرسة في الحي، وتكرر المشهد مراراً حيث تتحول العمليات البرية فيه إلى سلسلة من الخسائر البشرية والمادية.

ويدرك المحللون العسكريون الإسرائيليون أن المقاومة تستثمر معرفتها الدقيقة بجغرافيا حي الزيتون، وتستخدم فنوناً قتالية وتكتيكات متقدمة كأداة فعالة لإعادة الانتشار وتوجيه ضربات مباغتة، وهو ما يجعل أي توغل بري في الحي مغامرة محفوفة بالمخاطر. فالسيطرة على الأرض –كما يؤكد الخبراء– لا تتحقق بالقوة الجوية وحدها.

إن ما جرى في الزيتون ليس مجرد حادث ميداني، بل مؤشر على استراتيجية المقاومة في استنزاف جيش الاحتلال عبر "حرب استنزاف طويلة". فبدلاً من المواجهة المباشرة، تتعمد المقاومة جر قوات الاحتلال إلى بيئة خانقة، حيث تتحول الدبابات إلى أهداف سهلة، وتصبح وحدات المشاة معزولة عن الدعم الجوي.

وخلاصة القول: يكشف "فيلم كمائن الزيتون" أن المقاومة الفلسطينية لا تزال قادرة على تطوير أساليب ميدانية مبتكرة تفاجئ جيش الاحتلال وتربكه. ومع كل كمين جديد، يتأكد أن غزة ليست أرضاً يسهل احتلالها، بل ساحة معارك مفتوحة تستنزف الجنود وتعيد تشكيل موازين القوى، فيما تفشل البروتوكولات العسكرية السرية في إنقاذ الجنود من الوقوع في الأسر أو من ضربات المقاومة وفي مقدمتها كتائب "الشهيد عز الدين القسام".