في الحاجة إلى إعادة بعث النحو العربي
من السهل، في ظاهر الأمر، أن نُرجِع نفور المُتعلّمين من النحو في واقعنا العلمي المعاصر إلى طرائق تدريسه، وأن نُحمِّل المناهج الجامدة، وأساليب بعض المعلّمين، وفقر الوسائط البيداغوجية كلّ أوزار العزوف والاستثقال. غير أنّ هذا التفسير، مهما بدا مُقنعًا، يظلّ بعيدًا عن لبّ الإشكال؛ لأنّ السؤال الأعمق يتجه إلى الرؤية التي نُدرِّس بها العربية نفسها: أهي لغة حيّة تستدعي التفكير في نظامها العقلي، أم مجرّد مجموعة قواعد تُقدَّم بوجهٍ جافّ لا يستثير فضولًا ولا يفتح بابًا للتأمّل؟
ومعلوم أنّ إصلاح الهيئة لا ينفع ما دام الجوهر عليلًا، ولا معنى لتغيير الوسائل ما دام النحو يُعرَض اليوم بوصفه عبئًا ثقيلًا من القواعِد لا مدخلًا إلى فهم اللغة والعقل والوجود؛ لقد كان النحو، كما تصوّره الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه وأبو زكريا الفرّاء، مشروعًا لكشف نسق انتظام العربية ومنطقها الداخلي، ومفتاحًا لاستبصار طرائق تحرّك التفكير التي تختبئ خلف بنيتها.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي: أيَّ نحوٍ نُدرّس، وبأيّ وعي نُقبِل عليه؟ لقد أدرك إرنست رينان، في دراساته عن اللغات السامية، أنّ النحو العربي أسمى تجلٍّ للعقل المنطقي في الشرق، ورآه محاولة دقيقة لـ"عقلنة اللغة" وإخضاعها لنَسَقٍ مُنضبط يكشف عن طبائعها في الحدود الواسعة للممكِنِ الدلالي. ولم يكن كارل بروكلمان بعيدًا عن هذا التصوّر، إذ رأى في البنية الإعرابية للعربية نوعًا من الهندسة الفكرية المُحكمة، تُعبّر عن نزعةٍ راسخة نحو الوضوح والتنسيق، ولا تقلّ صرامةً عن الأنظمة التي تميّز اللاتينية واليونانية في أوج بنائهما العلمي.
النحو لم يُنشأ ليكون علما مدرسيا فحسبُ، بل نظامًا معرفيًا لفهم الكون والوجود
أما روجيه أرنالديز، فمضى في قراءةٍ أخرى تُضيء جانبًا أكثر عمقًا؛ إذ اعتبر النحو العربي امتدادًا طبيعيًا للفكر الكلامي والفلسفي، لا علمًا لغويًا بمعناه الضيّق؛ خصوصًا أنّ مسائلهُ (في نظره) ليست سوى صياغات لغوية لأسئلة كبرى عن الفعل والمعنى، والفاعل والمفعول، وما يتصل بهما من تصوّرات حول الجوهر والعرض، والضرورة والإمكان. إنّها أسئلة الوجود نفسها، نُقلت إلى حيّز البيان، فتبدّى النحو تبعًا لذلك جسرًا يصل بين التفكير في اللغة والتفكير في العالم، ويكشف أن صناعة الإعراب لم تكن يومًا معزولة عن صناعة العقل.
لكنّ هذا النحو الذي كان يومًا امتدادًا طبيعيًا للفكر الإسلامي، انكمش حتى غدا مجرّد صناعةٍ مدرسية تقوم على تتبّع الأخطاء وتصويبها، وتحوّل من أفقٍ يكشف طريقة اشتغال العقل العربي إلى تمرينٍ آليّ تُختبر فيه الذاكرة أكثر مما يُستثار فيه الوعي. وبدل أن يكون درس النحو مناسبةً لاستكشاف منطق العربية في بناء المعنى، صار تدريبًا ضيّقًا على تتبّع العلامات الإعرابية كما لو كانت غايةً بذاتها.
وهنا تتجلى المفارقة: حاجتنا ليست إلى "طريقة" جديدة، بل إلى استعادة الفلسفة التي وُلد منها النحو، تلك التي جعلته سؤالًا في المعنى قبل أن يكون ضبطًا للّفظ. لقد جرّبت المناهج الحديثة استلهام المقاربات التواصلية والوظيفية، لكنها استوردت الشكل البيداغوجي وحده، من غير أن تُعيد بناء الرؤية اللغوية التي يستند إليها. فالنحو العربي لا يمكن تدريسه بالطريقة نفسها التي تُدرَّس بها اللغات الغربية، لأنه ليس مجرّد بنية تركيبية، بل هو حاملٌ لتصوّرٍ كامل للوجود غير قابل للتجزئة أو الفصل عن نسق متكامل من التفكير يبدأ بالاعتقاد وينتهي بالممارسة.
القاعدة ليست قيدًا على التعبير، بل مفتاحًا لفهم البنية العميقة للقول
إنّ المطلوب اليوم ليس "نمطًا جديدًا" في التدريس، بل تحوّل إبستيمولوجي يُعيد للنحو مكانته بوصفه معرفة تُفكِّك بنية المعنى، لا منظومةً تُلاحق العلامات الإعرابية وتضبط أشكالها المُمكنة. فالنحو، في أصله، لم يكن علمًا يقيّدُ اللفظ، بل أداةً لكشف صورة الوجود في اللغة، حيث تنبثق الحركة الإعرابية من منطق داخلي يربط الدال بالمدلول، والقول بالقصد، والعبارة بحقلها الفكري، وقصدِ الناطقِ بها.
وحين نُدرّس النحو في هذا الأفق، يصبح الإعراب نتيجةً للفهم والتلقي لا مُتحكّمًا فيه، وتغدو القاعدة مفهومًا كاشفًا لا عقوبةً مدرسية. فالنحو الأوّل (كما وعاه القدماء) كان فنًّا لتأويل البيان العربي، وجسرًا يصل الفكر باللغة، لا درسًا مُتخشّبًا للترداد غير المُدرِك لطبيعته المعرفية الكبرى.
نفهم من هُنا أنّ أزمة النحو اليوم ليست أزمة طريقة، بل أزمة وعي لغوي فقد إحساسه بأنّ اللغة نسقٌ للتفكير قبل أن تكون أداة للتخاطب. ولذلك يظلّ كلّ إصلاحٍ تربوي ناقصًا ما لم يستعد هذا الأساس المعرفي: أنّ القاعدة ليست قيدًا على التعبير، بل مفتاح لفهم البنية العميقة للقول، وأن النحو لم يُنشأ ليكون علما مدرسيًا فحسبُ، بل نظامًا معرفيًا لفهم الكون والوجود.