عام على سقوط الأسد... مراجعة واقعية
بعد عام من سقوط نظام الأسد الإجرامي، تغيّر الواقع بعمق، لم تعد القراءات والتقارير الدولية المُتسارعة، والزيارات والقرارات المُتحرّكة بنشاط مُفرط، ولا الخطاب الرسمي الحماسي المُفرط في تعداد المنجزات وتكرارها وكأنّها إعجازات، كافية لرسم صورة عميقة، وربّما حقيقية للواقع السوري ببناه المجتمعية الواسعة، وبمشاربه المُتعدّدة، ومُكوّناته التي تشكّل خريطة التنوّع الواسع والمُمتدّ على تفاصيل الخريطة السورية كافة، جغرافيًا وثقافياً ومجتمعياً. وتجدر الإشارة إلى أنّ دول اللجوء والشتات باتت جزءاً مهماً ينبغي التعامل معه بكونه امتداداً طبيعياً للمجتمع السوري، ليس فقط بسبب عدد السوريين خارج سورية، الذي يتجاوز سبعة ملايين وأكثر، بل لأنّ مجتمع الاغتراب ما زال مُنخرطاً بشدّة بكلّ تفاصيل الأحداث، حتى اليومية منها، التي تجري في سورية، بل يمتدّ أثرها إلى مجتمع الاغتراب واسع الانتشار لأنّ تفاعله ليس عاطفيًا فقط، بل يشهد أيضًا حراكاً مثل المظاهرات المُندّدة التي جرت بعد مجزرتي الساحل والسويداء والمظاهرة المضادة في ألمانيا، التي شتم فيها المتظاهرون شركاءهم في الوطن بدافع من فائض القوّة وتغيّر موازين القوى بعد سقوط النظام. ولم يقتصر نشاط مجتمع الاغتراب على المظاهرات ووقف التنديد أو التأييد، بل شمل التحرّكات الدبلوماسية، التي تحوّلت بحدّ ذاتها أيضاً إلى صراع على الأسبقية والأحقية بالادّعاء بالتأثير القوي والفاعل لتلك التحرّكات، كما انتعشت المُشاركات الثقافية بكلّ أنواع الفنون كنسق موازٍ للتفاعل المجتمعي داخل سورية.
السؤال الذي بات مطروحاً بقوّة اليوم، هل ولّد سقوط النظام الٍأسدي انفجاراً مُجتمعياً سورياً؟ الحقيقة أنّ فرحة السوريين والسوريات بسقوط النظام كانت عظيمة وكبيرة جدّاً، ولا يمكن وصفها، ولا وصف الحالة الجمعية التي اكتسحت كلّ الساحات بلغة تعبيرية دافئة وصادقة، لغة متنوعة نطقت عبر الأغاني والرقص والاحتفالات والمُباركات والدموع وانفجار السرديات بسيولة غير معهودة وكأنّ بحراً من التعبير قد غمر الأرض.
مع السقوط المُفاجئ والمدوي، لم تسقط معه الهمجية والوحشية فقط، بل سقطت معه الفكرة القاتلة والمُهدّدة لأيّ أمل بالتشارك في الحكم وهي الأبدية، أن يصاب السوريون بما يشبه القناعة غير القابلة للاختلال بأبدية حكم عائلة الأسد كان شرخاً عميقاً في الهُويّة السورية الفردية والجماعية.
فرحة السوريين والسوريات بسقوط النظام كانت عظيمة وكبيرة جدًّا
لكن ما حصل بعد السقوط غيّر بسرعة خارقة مفاصل الخطاب السوري الوطني الجامع، وأفرز استقطاباً حاداً تعزّز بعد مجزرتي الساحل والسويداء، وبعد التراجع الحاد في مسار الخيارات والحرّيات الفردية التي تمّ تهديدها مباشرة بممارسات يومية تُعاكس نمط حياة السوريين والسوريات في محاولة لفرض سياق جديد، وخصوصاً في المدارس والجامعات، وفي التعامل مع النساء.
انعكست نتائج هذا الاستقطاب على جمهور الثورة وحدث شرخ عميق بين هذا الجمهور الواسع، بل تعمّق أكثر داخل المُجتمعات المحلية الضيّقة، وصل بعضها إلى انقسامات داخل العائلات، كأن يرفض مجتمع ابناً أو صديقاً له كانوا يعتبرونه رمزاً للثورة وداعماً لحراكهم، بل مُتقدّماً عليهم بوجوده في مؤسسات الثورة، ويصفونه اليوم بأنه خائن لهم! كثيرون عيّنوا أنفسهم قضاة ومُحقّقين وقادة جدداً، يخوّنون مجتمعات بأكملها كي يبرّروا إقصاءهم لها أو التمادي في محاكمتها والنيل من أمنها الفردي والجماعي، بصيغة تبرّر الانتهاك وكأنّه عقوبة إلهية أو وطنية محسومة وحان وقت تنفيذها.
استسلم البعض من جمهور الثورة، والتزم الصمت وأوقف نشاطه وحتى تواصله الاجتماعي الاعتيادي، ولجأ البعض الآخر إلى محاولة الاستمرار مع شركاء الثورة بدافع العاطفة والمسار المُشترك، لكن بهمّة ضعيفة وحزن عميق. السرعة الدراماتيكية بتعميم تداول لغوي وتعاملي على أساس طائفي كانت أكثر المظاهر خطراً على الخطاب العام وعلى الحيوية السورية المشتركة، والمقلق أنّ الغالبية تتعامل مع الطائفية باعتبارها مُنتجاً مجتمعياً، لكنها في الحقيقة منتج سياسي بامتياز لتفتيت المجتمع وشرخه بصورة عميقة.
تبدو المراجعات للواقع ضرورة قصوى لا يمكن تجاوزها، خصوصاً في أثناء طرح شعار إعادة إحياء الوطنية السورية الجامعة.