"ضايل عنا عرض": مقاومة المهرّجين

26 نوفمبر 2025
+ الخط -

كأنّ الحكاية تُصرّ على أن تُتمّ دورتها، ولو في أضيق مساحاتها، وأن تُثبت أنّ ما يُصنع بروح الناس يُردّ إليهم، مهما كانت الطريق ملتفّة ومليئة بالحفر التي خلّفتها الحرب.
 في قلب هذا الإصرار، يبرز فيلم "ضايل عنا عرض" كشهادة حيّة على التشابه بين صناعته وحكاية أبطاله، حيث يتمسّك الجميع بالأمل وسط المعاناة، وتتحوّل كلّ خطوة بسيطة إلى تحدٍ هائل، ويصبح إسعاد الناس وسيلة للبقاء والمقاومة.
 بغيرِ بداية ولا نهاية تقليديّة أو مدّعاة، كأنّنا سقطنا فجأةً في منتصف الحكاية، مررنا بها أو مرّت بنا، فقط لننتبه ولو قليلاً لها ولأبطالها، الذين لم يبذل أيّ منهم جهدًا ليلفت انتباهنا أو غيرنا، وجودهم ذاته في هذا السياق يكفي، ومحاولاتهم للاستمرار (أحياء ومضحكين) أكثر من كافٍ.
يبدأ التشابه في التمسّك بالأمل وسط المعاناة، حيث لعلّ صناعته تشبه حكايته، مخرجة من مصر ومخرج من غزّة (لم يكن مخرجًا تمامًا إلى أن وضعه الموقف والموهبة أثناء العمل على الفيلم في موضع المخرج)، يتواصلان بكلّ وسيلة افتراضيّة، إلى أن يتقابلا كما أيّ فريق عمل، ويبقى تواصلهما الافتراضيّ ذاك رهينةَ الأوضاع. أبطال الفيلم، مهرّجون في مركز سيرك غزّة الحر، يصرّون على البقاء أحياء رغم القصف، تماماً كما يصرّ المنتجون على إكمال الفيلم رغم الإعاقات المُتوالية، وعدم معرفة مستقبل صناعة الفيلم، أو إن كان سيكتمل أصلاً أم لا، وحتى غياب الأدوات التي يحتاجها تصوير أيّ عمل مُشابه (الكاميرات والميكروفونات والإضاءة والفنيين ...إلخ") روح تُصرّ على أن تبقى حيّة، وأن تُمسك بأطراف الحياة وهي تُنتزع منها، فتضحكُ وتُعمّر وتدلّ على معنى أبعد من الشفقة وأكبر من النجاة.
 "ضايل عِنّا عرض" فاجأني (على غير عادة) أنّه لم يكن مأساويًّا، يوجعُ القلب لا شكّ، لكنّه يُضحكُ كذلك، ويشغل الفكر من دون أن يضطرّكَ للتدبّر، مُحتفظاً بالحياة العادية التي تُصرّ على أن تُوجد تحت القصف، أنّ الناس يطبخون، يمزحون، يتشاجرون، ويواصلون السير وكأنّ كلّ شيء طبيعيّ، رغم أنّ شيئًا لم يكن كذلك يومًا.
أما صعوبة إتمام أيّ خطوة مهما بدت بسيطة، فهي تتجلّى في كلا الجانبين، ينقطع الاتصال فجأة (كما حدث أثناء مناقشة الفيلم بعد عرضه) أو يتعذّر الاتصال ذاته لساعات أو أيّام نتيجة قصفٍ أو نزوحٍ متكرّر، لكنّه كالحكاية تمامًا، يُستعادُ فيعود، ولو مؤقّتًا ولو بانتظار انقطاعٍ آخر، ليستكمل العمل والحكاية، على أمل أن تُروى فينجو أصحابها (صنّاعًا وأبطالًا) من المحرقة التي طاولت الجميع ولم ترحم أحدا.
مركز السيرك الحرّ لم يكن مجرّد مبنى، كان مساحة يتعلّم فيها الأطفال كيف يقفزون فوق الخوف، وكيف يختبرون قواهم في عالم يصرّ على إضعافهم، مكان كان وجوده نفسه فعل مقاومة خفيّة: مقاومة بالبهجة، بمهارة القفز، بخفّة الجسد الذي يصرّ ألا يُسحق.

بشرٌ يسعون، في لحظات موتهم كما في لحظات ضحكهم، أن يُعيدوا بناء ما تهدّم، لا ليكتمل الشكل، بل ليظلّ للحياة مكان يمكن احتماله

العرض الذي بدأ كفكرة بسيطة بين مخرجَين لم يلتقيا، تحوّل، من دون قصد، إلى جسر آخر بين ضفّتين: ضفّة تُشاهد وتتعاطف، وضفّة تُقصَف وتَصمد وتُعيد البناء بما استطاعت، صار الفيلم نفسه امتدادًا لذلك الاتصال المعلّق دائمًا، المُنقطع دائمًا، الذي يتحدّى انقطاعه بالعودة كلّ مرة، كأنّ كلّ مكالمة تُستأنف بعد صمتٍ طويل كانت تقول شيئًا عن الإصرار الأعمق من الحرب، الأعمق من الانقطاع، وأخيراً، يبرز إسعاد الناس كوسيلة للبقاء والمقاومة، حيث في لحظة كهذه تصبح الكوميديا ليست ترفًا ولا ملهاة، بل وسيلة لفهم ما لا يُفهم، وللتخفّي من ألم لا يُمكن احتماله دفعة واحدة.

 أهدانا الفيلم هديّةٍ لم ينتبه لها أصحابه، إذ ردّدتُ على منشورٍ يعلن فوزه بجائزة الجمهور: "لأصواتنا قيمة، ولو في السيما"، يبدو ساخرًا هذا الرد، على مرارته، إذ لعلّها المرّة الأولى التي يصوّت فيها هذا الجمهور فيُسمع صوته، ويتحقّق مراده، على بساطته، فيفوز فيلمٌ يحكي لمحة من حياة الأهل في القطاع، شيء في استقبال الجمهور للفيلم، بدا كأنّه مشاركةٌ خفيّة في هذا الجسر؛ لم يكن تصويتًا لفيلم بقدر ما كان تصويتًا لفكرة، لمسعى، لنبرة صوتٍ لم تعتد أن تجد لها صدى، وربّما لهذا السبب تحديدًا بدت الجائزة مختلفة: ليست شهادة تقدير، بل لحظة قصيرة استعاد فيها الناس قدرةً فقدوها في كلّ ساحات الحياة الأخرى، قدرة على أن يُشيروا إلى شيء فيقولوا: "هذا يستحق أن يُسمع"، ولو كان ذلك في قاعة عرض مظلمة، ولبضع دقائق فقط.
 فاز الفيلم بجائزتين، فقرّر الصنّاع، ولو لم يدركوا، أن يُكملوا الدرس، الذي ربّما، علمتهم إياه غزّة حين قرّروا التبرّع بكلّ الجوائز المالية، وأيّ دخل للفيلم سواء في العروض أو حقوق استغلال للمنصّات والقنوات لإعادة بناء مركز سيرك غزّة الحرّ.

مساحةٌ ضيّقة، مُهدّدة، لكنها رغم كلّ شيء لا تزال تُعطي

قرار التبرّع ذاك لم يكن فعل بطولة، ولا رغبة في استدرار العاطفة، بل بدا امتدادًا طبيعيًا للروح ذاتها التي صُنِع بها الفيلم (وكلّ صنّاعه أصحاب موقف وانحياز)، ولعلّ المفارقة أنّ هذا القرار، البسيط في ظاهره، كان أكثر ما أعادنا إلى ما حاول الفيلم أن يقوله من دون خطابة: أنّ الغزّيّين ليسوا رموزًا ولا عناوين، ولا صدى لصورٍ قادمة من القصف، بل بشرٌ يسعون، في لحظات موتهم كما في لحظات ضحكهم، لأن يُعيدوا بناء ما تهدّم، لا ليكتمل الشكل، بل ليظلّ للحياة مكان يمكن احتماله.
ولأنّ الحكاية بدأت من المنتصف، فهي لا تنتهي كذلك إلا من المنتصف: لا وعدًا ولا خاتمة، فقط استمرار يشبه مشهدًا يُستعاد، اتصالًا يعود بعد انقطاع، مهرجانًا آخر ربّما، أو سيركًا يُعاد بناؤه على عجل ليضحك الأطفال من جديد، أو فيلمًا سيولد لاحقًا من المساحة ذاتها التي تُنبت القصص في غزّة: مساحةٌ ضيّقة، مُهدّدة، لكنها رغم كلّ شيء لا تزال تُعطي.
ولعلّ هذا هو جوهره تمامًا وأهمّ ما فيه، لا أعرفُ إذا قصده صنّاعه: ذلك العبور الجارح، الذي يُبقي في صدر روحِكَ نُدبةً مهما بعدتَ عن الشاشة، زمانًا ومكانًا، تذكّركَ فتتألّم، وإن لم تبقَ حيّة تمامًا، هي لم تمت تمامًا كذلك، ولم يكن غريبًا بعدها أن يصبح الفيلم، بكلّ عفويّته، وثيقةً صغيرة عن استعادة الإرادة والحياة.