رائحة باريس

01 نوفمبر 2025
+ الخط -

أمام نافذتي في الطابق الخامس من المبنى القديم، والمُطلّة على الشارع العام الذي لم يستفق بعد، وقفت فجراً أترقّب بنفاد صبر الساعة التي سيفتح فيها مخبز الحيّ الباريسي أبوابه. كانت الأنوار المُتسرّبة من خلف أبواب المدخل المُغلق، تشي بأنّ العمل الذي لا شكّ في أنه بدأ قبل ساعات، قد شارف على الانتهاء. عتمة شديدة لا تزال تُخيّم فوق المدينة النائمة على الرغم من أنّنا في ساعات الفجر الأخيرة. كنت يقظة تماماً، وغير مُستاءة لاستيقاظي المُبكّر، كما يُفترض أن أكون، بعد نومٍ خفيفٍ يحصل عادة عندما نرقد في غير سريرنا المُعتاد. 

ما إن أضاءت الخبّازة أنوار متجرها، حتى لففت نفسي، وأنا ما زلت بملابس النوم، بمعطفٍ خفيف، وخرجت لأستقل المصعد الدخيل على العمارة التاريخية، والذي يشبه، لضيقه الشديد، كبسولة فضائية، تجعلك تشعر وأنت تستقله بأنه لن يتوقف، لا نزولاً قبل الاصطدام بطبقة الماغما في جرف الأرض، ولا صعوداً قبل طبقة الأوزون. 

استفقت جائعة، ربّما لأنني ومنذ ليلة أمس، أحلم بالكرواسان الساخن، بطبقاته المُقرمشة والليّنة في آن، تفوح منها رائحة الزبدة لتختلط برائحة كوب القهوة الذي كانت الخبّازة تقدّمه أيضاً، ولسعة البرد الصباحي وصمت الشوارع التي بدأت الحياة تدبّ فيها توّاً. 

أنتظر إشارة المُشاة الخضراء، مع أنّ الشارع، وعلى مرمى البصر، فارغ تماماً إلا من درّاجات بعض المُبكّرين المُسرعين في المسار المُخصّص لهم. وفي الأفق البعيد، يلوح باص الخط رقم 38 مُقبلاً من محطّة انطلاقه، وداخله المُضاء بالكامل يشي بخلوّه تماماً من الرُكّاب.

أجتاز الشارع باطمئنان، وأنا أصارع، في الوقت ذاته، ذاكرتي الوطنية التي اعتادت القلق من وافد غير متوقّع من الاتجاه الممنوع، أو دراجة نارية تتجوّل كما لو كانت من المُشاة كما يحلو لها. أحيي بمزاج رائق عمّال النظافة الذين صادفتهم يكنسون الأرصفة. يتلكّأ بعضهم بالقرب من النوافذ الأرضية في الرصيف، والتي يخرج منها هواء أنفاق المترو الساخن ليشكّل مع هواء الفجر البارد ضباباً سُرعان ما يتبدّد. 

صارت باريس تكتفي من التمرّد واستيلاد الأفكار الجديدة بمجرّد عناوين فارغة 

داخل المخبز جو من الحيوية والدفء. نمط من صباحات بتّ أشتاقها، حيث أماكن تعيش يوميّاتها العادية بكلّ مقاديرها. تحتضنني تلك الرائحة الأليفة التي تُعيدني إلى سنوات إقامتي هنا: خليط مُمتع من برد الصباح والروائح الساخنة؛ خبز وفانيليا وشوكولا وقهوة. 

تبتسم الخبّازة الشابة لزبونتها الأولى. تبدو مُفعمةً بالنشاط مع أنها هنا لا شكّ منذ ساعات. تلقي عليّ تحية الصباح وتُسّر لي، إثر مديحي لنشاطها وبهجتها الظاهرة، بأنها تتمنّى لو كان بإمكانها أن تنام أكثر. 

باريس إذا. بعد ست سنوات من الغياب. كنت قد أقسمت ألّا أطأ أرض فرنسا مرّة ثانية. بداية، كان ذلك بسبب خيبة تكرّرت في السنوات الأخيرة من تراجعها الثقافي والفني لصالح السطحي وسريع الربح، ثم تفاقم هذا التراجع وأصبحت مظاهره فجّة. ومرّة بعد مرّة، اختفت باريس التي عشت فيها عشر سنين، ولم أتوقّف عن الحج إليها سنوياً تسقّطاً لمُتع العين والقلب والعقل. باريس المتمرّدة التي أحببتها، والتي علّمتني الكثير حين كان وطني عاجزاً حتى عن تأمين انتقالي من منطقة إلى أخرى، من شارع إلى شارع. اختفت تلك "الباريس"، أو معظمها. صارت تكتفي من التمرّد واستيلاد الأفكار الجديدة بمجرّد عناوين فارغة لكن برّاقة، مضمون استهلاكي وسخيف لكنه مُغلّف بأناقة ومُربح. لقد كان الفرنسيون دائماً أسياداً في فن التغليف.

ثم صُدمت في زيارتي الأخيرة منذ سنوات ست، عند ملاحظتي مدى انتشار القوالب الجاهزة في مجالات لم أكن أتصوّرها: في الموضة، في السينما والفن وحتى الطعام، وبالطبع الصحافة. تدهور المستوى لدرجة أننّي كنت أقول إنّ سلاسل الشركات الكبرى، مثل "زارا" و"مانغو" و"ماكدونالد"، قد أنتجت مثيلاً لها في الثقافة. لم تعد هناك متعة في خيارات الأفلام مثلاً، وعليك أن تُنقّب وتنقبي بين مئات دور السينما في باريس لتجد ما يستحق وقتك. غالبية ما يحتل الملصقات الإعلانية في الدور الكبرى يبدو أشبه بنسخ من هوليوود بالمعنى التافه، أو المُتفّه، خصوصاً إن كان من إنتاج البلاد التي لفرنسا الرسمية موقف سياسي منها، إيجاباً أو سلباً.  

الانحياز لإسرائيل أصبح لا يطاق في فرنسا

ثم تفاقم الأمر مع تنامي اليمين المتطرّف، واتساع الاستيلاء على وسائل الإعلام من قبل رؤوس الأموال المُمالئة للسلطة، وتعاظم نبرة العداوة للأجانب والمسلمين خصوصاً. أما الانحياز لإسرائيل فقد أصبح لا يُطاق. كان التراجع في ممارسة قيم الثورة الفرنسية يشي بأنّ الأخطر لا شكّ آتٍ، ولم أرد أن أرى هذه النهاية المحتومة والمُحزنة. قلت في نفسي إنه يكفيني ما يحصل في وطني. 

وفي السنتين الأخيرتين، أقلعت تماماً عن متابعة أخبار فرنسا، كونها كانت تُصيبني بخيبة لم تلبث أن تحوّلت إلى غضب فاحتقار، لولا قلّة من الفرنسيين، أنقذوا شرف بلادهم بالوقوف إلى جانب غزة وفلسطين. أما العداء لروسيا والصين مثلاً، فقد كان بدائياً بشكل مُضحك، لا يوازي هذه البدائية إلا الترويج لإسرائيل بتذاكٍ لم يعد خافياً. 

عدت بقراري إذا. ولا أكتمكم، أنني فوجئت بسرور خفي يجتاحني ما إن حجزت تذكرة الطائرة. ولقد تساءلت عن السبب؟ فهل هو لمتعة السفر الذي أصبحت، منذ حجز المصارف نقودنا، أُخفّف منه؟ أم كان ذلك لأستعيد بعض الأمان في يوميّاتي، وأنسى، ولو لأيّام، طنين المُسيّرات الإسرائيلية في سمائنا المُستباحة؟ أهو لأنني سوف أعاود لقاء أصدقائي الذين اشتقت إليهم كثيراً، والذين لم يملوّا من تكرار لومي لقطع زياراتي؟ أو ربما لمجرّد تنشّق عبير باريس الذي في ذاكرتي، وهو ليس إلا عبير صباي هناك، ورائحة أولئك الذين أحببتهم وأحبوني في بيوتها وشوارعها وصالاتها وجنائنها التي كانت؟

ربما لكل ذلك، لكن، ما أذهلني هو كيف امّحت، بلحظة، كلّ المساوئ التي ذكرتها حين وطأت أرض باريس، فلم أعد أذكر إلا كلّ ما هو جميل ودافئ بمجرّد أن اشتممت تلك الرائحة؛ رائحة باريس التي أحب.

ضحى شمس
ضحى شمس
كاتبة وصحافية لبنانية.

مدونات أخرى