دعوة زيدان بشأن حلّ "الإخوان"
عرفتُ الدكتور أحمد موفق زيدان منذ سنوات بعيدة، يوم كان حضوره لافتًا في مجموعات البريد الإلكتروني على موقع "مكتوب" ثم "ياهو"، قبل أن يتألّق لاحقًا عبر شاشة قناة الجزيرة. وقد تابعت مسيرته الفكرية والإعلامية وهو يمرّ بمراحل من التطوّر والنضج السياسي، حتى وصل اليوم إلى موقعه مستشار الإعلام في الرئاسة السورية، حيث يواصل طرح رؤى جريئة حول مستقبل سورية والمنطقة.
في مقاله الأخير على موقع الجزيرة، ومقابلته مع قناة العربية، دعا الدكتور زيدان جماعة الإخوان المسلمين في سورية إلى حلّ نفسها طوعًا. دعوة تعبّر عن إدراك عميق بضرورات المرحلة، فالجماعة التي غابت عن الداخل السوري منذ الثمانينيات، بقيت مشدودة إلى الماضي أكثر من استعدادها للمستقبل، وفقدت الكثير من قدرتها على التفاعل مع الواقع الوطني. والتجارب الإسلامية في المنطقة أثبتت أنّ الجمود التنظيمي لا يقود إلّا إلى التراجع. فقد انفصلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن الإخوان وشقّت مسارًا وطنيًا خاصًا، بينما أعادت أحزاب في الأردن والعراق صياغة نفسها بعيدًا عن البنية التقليدية، فيما قدّمت تركيا نموذجًا ناجحًا بانتقالها من حزب الرفاه إلى حزب العدالة والتنمية الذي تمكّن من الحكم. أما محاولة الإخوان في سورية عبر حزب "وعد" فقد فشلت لأنها لم تتحرّر من ثقل الماضي.
إنّ حلّ الجماعة لا يعني إقصاء أفرادها أو منعهم من المشاركة السياسية، بل إنهاء الشكل السرّي الضيّق الذي يعيق اندماجها في المشروع الوطني. وهذا ما يتناغم مع توجّهات الدولة الجديدة التي شهدت بالفعل حلّ أكثر من 18 فصيلاً عسكريًا واندماجها في وزارة الدفاع، إلى جانب طي صفحة كيانات كبرى مثل الائتلاف الوطني والمجلس الإسلامي السوري وحتى حزب البعث.
الجماعة التي غابت عن الداخل السوري منذ الثمانينيات، بقيت مشدودة إلى الماضي أكثر من استعدادها للمستقبل
وعلى الصعيد الإقليمي، يواجه التنظيم عداءً واضحًا من أبرز شركاء الحكم الجديد في سورية، أي دول الخليج، وعلى وجه الخصوص السعودية والإمارات اللتان كانتا الأكثر صراحة في رفض الإخوان واعتبارهم تهديدًا مباشرًا لمشروع الدولة الوطنية واستقرار المنطقة. أما مصر، فإنّ علاقتها بسورية الجديدة يشوبها التوتّر، إذ ترى أو تظنّ أنّ دمشق قد تكون خاضعة لتأثير الإخوان، وهو ما يستدعي خطوات عملية لقطع الطريق على هذه الهواجس وتعزيز الثقة المتبادلة.
أما دوليًا، فإنّ الولايات المتحدة وأوروبا، وخاصة بريطانيا وفرنسا، تمضي في تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً أو معادياً، ما يزيد من عزلة الجماعة ويجعل استمرارها عبئًا على أيّ مشروع وطني سوري يسعى للاندماج في المجتمع الدولي.
إنّ دعوة الدكتور أحمد موفق زيدان تمثّل مقاربة واقعية لتجنيب سورية مخاطر التطرّف والانقسام، ولإطلاق طاقات الشباب الإسلامي في إطار حزب وطني علني يشارك في بناء الدولة.
أخيرا، إنّ حلّ الجماعة ليس نهاية لمسارها، بل بداية لمسار أكثر صحة وعلنية وتعدّدية، يتيح لها المساهمة الفاعلة في سورية الجديدة، متصالحة مع مجتمعها ومحيطها العربي والدولي. إنها دعوة جريئة تستحق الدعم، لأنها تعني أولًا وأخيرًا: الانحياز لمستقبل سورية.