جدلية الهوية والمرجعية في مشروع النهضة

05 فبراير 2026
+ الخط -

يُعَدّ الفكر القومي والفكر الإسلامي من أبرز التيارات الفكرية التي شكلت الوعي السياسي والثقافي في العالم العربي خلال القرنين الأخيرين. وقد مثل كل منهما محاولة للإجابة عن سؤال النهضة: كيف يمكن للأمة أن تستعيد مكانتها، وتبني ذاتها في مواجهة التحديات الداخلية والضغوط الخارجية؟ غير أن اختلاف المنطلقات والمرجعيات بين الفكرين أفضى إلى حالة من التوتر، وأحيانًا الصراع، انعكست بوضوح على مسار الدولة والمجتمع.

ظهر الفكر القومي في سياق تاريخي اتسم بتراجع الدولة العثمانية وتصاعد الهيمنة الاستعمارية الغربية، فكان تعبيرًا عن وعي جديد بالانتماء القومي، خصوصًا العربي، بوصفه رابطة جامعة تتأسس على اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة. وقد رأى القوميون أن استعادة القوة لا تتحقق إلا ببناء دولة قومية حديثة، ترتكز على مفهوم السيادة الشعبية والوحدة الوطنية، وتتحرر من الولاءات التقليدية والدينية الضيقة.

في المقابل، يستند الفكر الإسلامي إلى مرجعية دينية تعتبر الإسلام منظومة شاملة تنظم شؤون الحياة كافة، ولا تقتصر على المجال الروحي أو الأخلاقي. وقد تبلور هذا الفكر في صيغته الحديثة، في رد فعل على الاستعمار، وعلى محاولات علمنة المجتمع والدولة، وسقوط الخلافة العثمانية. ومن هذا المنطلق، رأى الإسلاميون أن الأزمة الحقيقية تكمن في الابتعاد عن الشريعة، وأن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا بالعودة إلى الإسلام بوصفه أساس الهوية والتنظيم السياسي والاجتماعي.

يختلف الفكران جذريًا في تحديد مفهوم الهوية. فالفكر القومي يجعل الهوية قومية دنيوية، تقوم على الانتماء إلى الأمة باعتبارها كيانًا تاريخيًا وثقافيًا، ويضع الدين في مرتبة ثانوية، بوصفه عنصرًا من عناصر التراث، لا مصدرًا للتشريع. أما الفكر الإسلامي، فيقدم الهوية الدينية على ما سواها، ويرى أن رابطة العقيدة أسمى من روابط اللغة أو العرق أو الجغرافيا، وهو ما يمنحه بعدًا أمميًا يتجاوز حدود الدولة.

وينعكس هذا الاختلاف بوضوح على تصور كل فكر للدولة والسلطة. فالدولة في الفكر القومي دولة وطنية حديثة، تستمد شرعيتها من الأمة، وتقوم على مؤسسات مدنية وقانون وضعي. أما في الفكر الإسلامي، فالسلطة مقيدة بالمرجعية الشرعية، وتستمد مشروعيتها من التزامها بالشريعة وتحقيقها لمقاصدها، مع تباين واسع بين تياراته حول شكل الدولة وآليات الحكم وحدود السلطة.

على مستوى العلاقة مع الغرب، يتبنى الفكر القومي موقفًا نقديًا من الاستعمار، لكنه غالبًا ما ينفتح على النموذج الغربي في السياسة والإدارة والتنظيم، معتبرًا إياه نموذجًا للتقدم يمكن الاقتباس منه. فيما يتعامل الفكر الإسلامي مع الغرب بحذر أكبر، مميزًا بين التقدم العلمي والتقني من جهة، والمنظومة القيمية والفكرية من جهة أخرى، ساعيًا للاستفادة دون التبعية أو الذوبان.

ورغم حدة التباين بين الفكرين، فإن بينهما نقاط التقاء لا يمكن إنكارها، أبرزها رفض الهيمنة الأجنبية، والسعي لتحقيق الاستقلال والنهضة. غير أن الخلاف الجوهري ظل يتمحور حول سؤال المرجعية: هل تكون الأمة هي المصدر الأعلى للشرعية، أم الشريعة؟ وهل يمكن الجمع بين الانتماء القومي والهوية الإسلامية في إطار واحد؟

لقد أظهرت التجربة التاريخية أن الصراع الإقصائي بين الفكر القومي والفكر الإسلامي أضعف المشروعين معًا، وأسهم في تعميق أزمات الدولة والمجتمع. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تركيبية تتجاوز الثنائيات الحادة، وتبحث عن صيغة توازن بين الهوية الدينية والانتماء القومي، وبين القيم الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة، بما يفتح أفقًا جديدًا لمشروع نهضوي أكثر شمولًا وواقعية.