تفكيك فكرة المقاومة وصناعة الخضوع

05 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 20:48 (توقيت القدس)
+ الخط -

حين تنحرف الجيوش عن عقيدتها الأصلية من حماية الأوطان إلى حماية الأنظمة، وحين تغيب المواجهة على الجبهات ويزدهر الاستعراض في الساحات، وحين ينشغل القادة العسكريون بتكديس الامتيازات وزيادة الأرصدة وتترهل أجسادهم ويستأسدون على المواطن المسكين فيما يشيحون بأبصارهم عن المعتدي الخارجي، عندها فقط ينهض المجتمع بمقاوماته يوصفه ضرورةً وجودية. المقاومة هنا ليست نزوة أيديولوجية، بل استجابة طبيعية لفراغ الردع.

الأحداث الجارية في المنطقة لاستئصال قوى المقاومة، والنقاشات حول سحب سلاحها وترسيخ حصرية العنف بيد السلطة وتصويرها بوصفها سبب الخراب، ليست بريئة، بل تندرج ضمن مشروع سياسي إقليمي هدفه تفكيك فكرة المقاومة نفسها وتبرير الانبطاح للمشروع الإسرائيلي في المنطقة تحت ذرائع زائفة.

التاريخ يبرهن أن المقاومة تولد من غياب الجيوش الوطنية، وأنها نجحت رغم اختلال موازين القوى. بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967 سدّ الفدائيون في مدن القناة الفراغ بعمليات نوعية كبّدت الاحتلال كلفة عالية. في لبنان، حين انقسم الجيش وعجز عن مواجهة الغزو الإسرائيلي عام 1982، وبعضه انخرط صراحة في التحالف مع المعتدي، برزت المقاومة الوطنية ثم حزب الله الذي فرض انسحاباً مذلاً لإسرائيل عام 2000. وفي فلسطين، ومع تراجع الجيوش العربية، نشأت الفصائل المسلحة لتعيد تعريف معادلة القوة. هذه النماذج لا تنفصل عن تجارب إنسانية أوسع: ففرنسا لم تتحرر من الاحتلال النازي إلا عبر مقاومة شعبية منظمة بعد انهيار جيشها، والجزائر نالت استقلالها بعد ثورة مسلحة هزمت واحدة من أعتى القوى الاستعمارية.

وفي جنوب أفريقيا وُلد جناح "رمح الأمة" المسلح لحركة ANC حين أثبت القمع أن السلم وحده غير كافٍ، وفي فيتنام تحولت المقاومة إلى أيقونة حين أجبرت فرنسا ثم الولايات المتحدة على الانسحاب. كل ذلك يبرهن أن المقاومة قانون عام للتاريخ: حيث تفشل الجيوش، تتصدر المقاومة وتنجح رغم الأثمان المدفوعة.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن ميزان القوة لم يكن يوماً لصالح المقاومة؛ فالمحتل يتكئ على قوة السلاح، لكن المقاوم يحمل سلاح القوة، قوة الإرادة والعزم على الفداء. وهكذا، ينتصر دوماً ابن الأرض المستعد للتضحية، لأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بدماء الأحرار. أما الأصوات التي تردد أن المقاومة تجلب الخراب، فهي الصدى الباهت الذي تكرر في كل معارك التحرر، يرفعه المنبطحون أو من باعوا كرامتهم بثمن بخس، فيما تظل الشعوب الحية ترى في المقاومة طريقها الوحيد إلى الكرامة والسيادة.

وجود المقاومة لا يقتصر على ميزان السلاح، بل يتعداه إلى ميزان المعنويات. حتى حين تكون محدودة الإمكانات، فإنها تمنح المجتمع شعوراً بالكرامة والقدرة على الفعل، وتردّ على محاولات إشاعة العجز واليأس. تفكيك المقاومة لا يعني فقط نزع البندقية، بل يعني ضرب الروح العامة التي تمنح الشعوب ثقتها بنفسها، واستبدالها بثقافة الانكسار والخضوع.

والمفارقة الصارخة أن القوى الغربية التي تضغط اليوم لنزع سلاح المقاومات العربية تقدّس تاريخ مقاوماتها هي. فرنسا تحتفي سنوياً بالمقاومة ضد النازية، والولايات المتحدة تفخر بثورتها ضد الاستعمار البريطاني، وجنوب أفريقيا تدرّس نضالها ضد الأبارتهايد بوصفه قصة فخر وكرامة. لكن حين يتعلق الأمر بشعوب المنطقة، يتحوّل الخطاب فجأة إلى تجريم المقاومة وتزيين الاستسلام. هذه الازدواجية تكشف أن القضية ليست أخلاقية بل سياسية، وأن المطلوب ليس "الانضباط" بل الإخضاع.

التاريخ يبرهن أن المقاومة قانون عام: حيث تفشل الجيوش، تتصدر المقاومة وتنجح

إلى جانب ذلك، للمقاومة بُعد ثقافي وسردي يتجاوز الفعل العسكري. فهي تحفظ ذاكرة المجتمع وتُبقي الحكاية الجماعية حيّة: أن هناك احتلالاً قاومناه، وظلماً واجهناه، وكرامةً دافعنا عنها. تفكيك المقاومة لا يعني فقط تفكيك التنظيمات، بل محو هذه السردية من الوعي الجمعي واستبدالها برواية المنتصر، حيث يُعاد تصوير المحتل منقذاً والمستسلم بطلاً. بهذا يصبح المشروع أكثر خطورة، إذ يتجاوز الأرض والسلاح ليطاول الهوية ذاتها.

غير أن المقاومات، كأي فعل بشري، ليست معصومة من الأخطاء. قد تُستدرج إلى معارك جانبية أو تخطئ في حسابات سياسية. لكن تحويل هذه الأخطاء إلى ذريعة لاجتثاث الفكرة نفسها خيانة وطنية لا تغتفر. حتى حين تُثبت الوقائع وقوع خطأ هنا أو هناك، فالمطلوب ليس اقتلاع المقاومة والدخول في بيت الطاعة الإسرائيلي والأميركي، بل النقاش حول استراتيجية واضحة للتحرير تحقق الهدف بأقل الأضرار وتحافظ على الشرعية الشعبية.

إن ما يُسوَّق اليوم تحت لافتة "السلام" ليس سوى وصفة لإنتاج الخضوع. السلام لا يولد من نزع السلاح بل من نزع الاحتلال، ولا يُصنع بتجريم المقاومة بل بتجريم من سرق الأرض والكرامة. من يطالب بتفكيك المقاومة قبل تفكيك أسبابها إنما يطلب من الضحية أن تُسلِّم رقبتها للجلاد. الاستقرار الحق لا يُبنى على الركوع، بل على عقد سيادي صلب يردع العدو ويصون الكرامة. لذلك فإن تفكيك فكرة المقاومة هو أخطر أشكال الخيانة: خيانة للتاريخ، وخيانة للهوية، وخيانة للمستقبل. ومن يختار الخضوع اليوم سيورِّث أبناءه عبودية الغد.