تحولات قسد ودمشق… مسارات معقّدة بين التفاهم والتصعيد
تشهد العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية لحظة سياسية حساسة تُعيد وضع شرق الفرات ضمن دوائر التنافس المحلي والإقليمي والدولي. وقد بات واضحاً أن أي تغيير في العلاقة بين الطرفين لا يمكن عزله عن تأثير القوى المحيطة أو الفاعلين الدوليين، سواء الولايات المتحدة أو روسيا أو تركيا أو إيران. هذا التداخل يُعقّد عملية التوقع، لكنه يُظهر مجموعة من الاتجاهات المحتملة التي يمكن أن تأخذها المرحلة المقبلة، وتتراوح بين التفكّك البطيء للملفات العالقة، أو إعادة تموضع متوتر، أو حتى انزلاق مفاجئ نحو مواجهة واسعة.
يبرز في المرحلة الحالية احتمال تقدّم تفاهمات تدريجية بين الطرفين، إذ تسعى موسكو إلى تثبيت وضع آمن لا يهدّد حضورها العسكري ولا تفاهماتها الأوسع، بينما تبدو واشنطن حريصة على استمرار ملف محاربة داعش بلا اضطرابات، على اعتبار أن أي صدام واسع سيعيد فتح مساحات الهشاشة التي تستفيد منها التنظيمات المتطرفة. هذا المسار قد لا يُفضي إلى حلول نهائية، لكنه قد ينتج صيغاً انتقالية للتنسيق الأمني والعسكري، ويعيد ترتيب الإدارة المحلية بما يراعي حساسيات المجتمع المحلي، ويضمن قدراً من اللامركزية الوظيفية. ورغم أن بعض الملفات، مثل النفط والحدود والمؤسسات الأمنية، لا تزال شديدة الحساسية، إلا أن الطرفين يدركان أن إبقاء الوضع ضمن نطاق التفاوض أفضل من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، خصوصاً في ظل إرهاق مجتمعي واسع ورغبة محلية بعيش دورة اقتصادية مستقرة بعد سنوات من الاستنزاف.
التاريخ السوري الحديث يُظهر أن التحولات الكبرى غالباً ما تقع نتيجة خطأ حسابي أو خطوة غير محسوبة من طرف ثالث
ومع ذلك، لا يلغي هذا الواقع قابلية المنطقة للدخول في موجات توتر متقطعة. فالتأخير في تنفيذ أي اتفاق، أو شعور أحد الأطراف بأنه مستثنى من عملية صنع القرار، يمكن أن يفتح الباب أمام احتكاكات محدودة تتجسّد في عمليات قصف متبادل، أو اشتباكات موضعية، أو ضغط عسكري غير مباشر. وتبقى مناطق مثل دير الزور ومنبج والريف الغربي للرقة الأكثر قابلية لهذه الاحتكاكات، بسبب تشابك النفوذ فيها وتعدّد الفاعلين المحليين. هذا النمط من التوتر قد يستمرّ أسابيع أو يعود على شكل دورات متكررة من دون أن يقود بالضرورة إلى حرب شاملة، لأن الطرفين عادة ما يتراجعان تحت الضغط الدولي، وخصوصاً الأميركي والروسي اللذين يفضّلان احتواء التوتر ومنع تحوّله إلى مسار يصعب ضبطه لاحقاً.
لكن احتمال التصعيد الواسع، وإن بدا أقل ترجيحاً، لا يمكن اعتباره مستحيلاً، إذ إن التاريخ السوري الحديث يُظهر أن التحولات الكبرى غالباً ما تقع نتيجة خطأ حسابي أو خطوة غير محسوبة من طرف ثالث. فدخول عوامل إقليمية أكبر في حسابات الصراع، أو تغيّر مفاجئ في الموقف الأميركي سواء عبر انسحاب أو إعادة تموضع، قد يفتح الباب أمام انهيار منظومة التوازن الحالية. وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد الأطراف نفسها أمام مواجهة تخسر فيها خطوط التفاهم السابقة، ويترافق ذلك مع موجات نزوح وتصاعد دور القوى الإقليمية التي قد تحاول الاستثمار في الفراغ. كما أن تراجع التنسيق ضد داعش قد يخلق تحديات أمنية غير مسبوقة تدفع المجتمع الدولي إلى التدخل مجدداً.
التحليل الأعمق يشير إلى أن مستقبل العلاقة بين الطرفين لن يُحسم عبر معركة سريعة أو حدث واحد، بل عبر سلسلة حركات متبادلة تتأثر بتغيّر مواقف الفاعلين الدوليين، وحساسية البنية العشائرية والاجتماعية شرق الفرات، والتوازنات التي تشكّلت خلال السنوات الماضية. وقد تتطور الأمور باتجاه "تسوية بطيئة" تُبقي الوضع تحت السيطرة دون حل جذري، أو نحو "توتر مستمر" يُدار بأدوات الضغط، أو، في أسوأ الظروف، نحو صدام واسع يعيد رسم الخريطة السياسية والعسكرية شرقي سورية.
المحصّلة أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق، ليس بين حرب وسلام فقط، بل بين رؤيتين لمستقبل شرق الفرات: واحدة تقوم على إدماج محسوب في بنية الدولة مع الحفاظ على خصوصية محلية، وأخرى تقوم على إدارة التنافس عبر التوازنات الأمنية بدلاً من الحلول السياسية. أما المآلات النهائية، فستتحدد في ضوء ما إذا كانت القوى الفاعلة ستستثمر في الاستقرار أم في توسيع هوامش نفوذها، ضمن معادلة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.