تحت ستار الرهائن... تحريض ترامب على احتلال وتدمير غزة

26 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 01:33 (توقيت القدس)
+ الخط -

في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التحريض على جرائم الاحتلال الإسرائيلي، داعياً إلى احتلال وتدمير ما تبقى من مدينة غزة، مدّعياً أن ذلك سيجعل الرهائن الإسرائيليين أكثر أماناً.

هذه التصريحات ليست مستغربة من إدارة أميركية طالما دعمت الاحتلال ومولت جرائمه بحق الفلسطينيين، إذ يموَّل الاحتلال من أموال دافعي الضرائب الأميركيين بما يقارب 3.8 مليارات دولار سنوياً كمساعدات عسكرية. يضاف إلى ذلك تاريخ ترامب السياسي الداعم لليمين المتطرّف، وصلته بالتحريض على الكراهية والعنصرية، وهو ما يلقى قبولاً واسعاً في أروقة الحكم لدى كيان الاحتلال، خاصة مع حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة، ما يوفر غطاءً إضافياً للاستمرار في حرب الإبادة التي تجاوزت 688 يوماً، مخلفةً عشرات الآلاف من القتلى والمصابين وسط صمت دولي مخزٍ.

ترامب: تبرير الإبادة تحت ستار إنقاذ الرهائن

صرّح ترامب بوضوح أنّ "الرهائن سيكونون في أمان أكبر إذا دخل جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى غزة"، مستعيداً نبرة التحدي في خطابه السياسي، ومقدّماً نفسه مجدّداً حليفاً دائماً للاحتلال. وادعى أنه ساهم سابقاً في إعادة بعض الأسرى من غزة بفضل تعاونه مع نتنياهو، محاولاً إظهار قدرته على إدارة الملفات المعقدة. لكن وراء هذه التصريحات تناقض صارخ: كيف يكون المحتجزون "آمنين" تحت قصف عشوائي يدمر أحياء بأكملها ويقتل المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء؟ الجواب أن ترامب لا ينطلق من منطق السياسة الواقعية، بل من رؤية يمينية متطرفة ترى الفلسطينيين مجرد "أرقام" يجوز التضحية بها لتحقيق أهداف إسرائيلية وأميركية.

إسرائيل تتبنى سياسة الأرض المحروقة

بالتزامن مع تصريحات ترامب، أعلن وزير جيش الاحتلال يسرايل كاتس المصادقة على خطط عسكرية لاحتلال مدينة غزة، تشمل قصفاً مكثفاً، وتهجيراً قسرياً، ومناورات عسكرية واسعة، في تكرار لسيناريو رفح وبيت حانون ولكن على نطاق أكبر. وهدّد كاتس صراحة بقوله: "قريباً ستفتح أبواب الجحيم على غزة"، مؤكداً أن الاحتلال لن يتوقف إلّا بشروطه، وعلى رأسها إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين ونزع سلاح المقاومة.

ترامب لا ينطلق من منطق السياسة الواقعية، بل من رؤية يمينية متطرّفة ترى الفلسطينيين مجرد "أرقام" يجوز التضحية بها

يتضح أن توجه الاحتلال نحو إبادة غزة لم يعد خياراً عسكرياً فحسب، بل هو قرار سياسي مدعوم أميركياً، يجد في تصريحات ترامب بمثابة ضوء أخضر دولي لمواصلة الإجرام بحق المدنيين.

جرائم موثقة: أرقام الإبادة الجماعية

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتكب الاحتلال مجازر وصفتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية بأنها إبادة جماعية مكتملة الأركان. وهذه الأرقام تكشف حجم الكارثة:

  • أكثر من 62,744 شهيداً، معظمهم من النساء والأطفال.
  • 158,259 مصاباً، كثير منهم بإصابات بتر وتشوهات دائمة.
  • أكثر من 11,000 مفقود تحت الأنقاض.
  • مجاعة أزهقت أرواح ما يزيد على 300 فلسطيني، بينهم 117 طفلاً، بسبب الحصار ومنع الغذاء والدواء.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل شهادات على جرائم حرب ممنهجة، يتحمل ترامب ومسؤولو الاحتلال مسؤولية سياسية وأخلاقية عنها، إذ لم يقتصر التواطؤ الأميركي على الدعم العسكري والمالي، بل امتد إلى التحريض العلني على القتل والتدمير.

وكشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أن ترامب منح نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، الضوء الأخضر لتنفيذ عملية عسكرية واسعة أو متدرجة بهدف احتلال غزة بالكامل وإنهاء وجود حركة حماس.

تداعيات دولية: بين العزلة والازدواجية

يمثل هذا التطور منعطفاً خطيراً في الحرب على غزة، التي استمرت لأكثر من 22 شهراً، ويُظهر الانخراط الأميركي المباشر في تسهيل جرائم الحرب والإبادة بحق المدنيين. وترى قيادة الاحتلال أن حركة حماس غير معنية باتفاق تبادل الأسرى، ما دفعها لتصعيد التهديدات بعد نشر المقاومة مقاطع فيديو لأسرى إسرائيليين.

إن ما كشفته الصحيفة يعيد تسليط الضوء على الدور الأميركي الخطير، ليس في الدعم العسكري والسياسي فحسب، بل في التحريض المباشر على ارتكاب أبشع الجرائم. فترامب الذي نقل السفارة الأميركية إلى القدس واعترف بسيادة الاحتلال على الجولان، لم يكن مجرد رئيس يتبنى السياسة الإسرائيلية، بل كان شريكاً كاملاً في تنفيذها.

التصريحات الأخيرة تضع واشنطن أمام مأزق أخلاقي؛ فهي تدّعي السعي للإفراج عن الرهائن، لكنها عملياً تمنح إسرائيل الضوء الأخضر لمزيد من الفظائع، ما يزيد من عزلة الولايات المتحدة الأميركية الدولية، خاصّة أمام محكمة العدل الدولية والرأي العام العالمي.

البعد الانتخابي وخطر التصعيد

من منظور سياسي، يسعى ترامب لاستغلال دماء الفلسطينيين في حملته الانتخابية المقبلة، مدركاً قوة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. وبخطاب أكثر حدة من إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، يراهن على كسب أصوات المؤيدين لإسرائيل حتى لو كان الثمن شرعنة إبادة شعب بأكمله.

لكن هذه الدعوات قد تدفع نحو انفجار إقليمي أكبر؛ فاحتلال غزة بالكامل يعني مواجهة مفتوحة مع المقاومة واحتمال توسع الحرب إلى جبهات أخرى كلبنان أو اليمن، ما ينذر بفوضى شاملة.

إن تحريض ترامب على احتلال غزة يكشف جريمة سياسية مزدوجة: تبييض جرائم الاحتلال وتبرير الإبادة الجماعية، واستغلال دموي للقضية الفلسطينية في بازار الانتخابات. وما يحدث اليوم في غزة، لم يعد مجرد حرب بين جيش ومقاومة، بل إنّه اختبار أخلاقيّ للعالم: هل يقبل أن يُباد شعب وتُمحى مدينة بأكملها تحت ذريعة "أمن الرهائن"؟