المجتمعات العربية: من هشاشة النظام إلى نظام الهشاشة

05 مايو 2026
+ الخط -

في أجزاء واسعة من العالم العربي، لا تكمن الأزمة فقط في ضعف المؤسسات أو ارتباك السياسات، بل في تحوّل أعمق وأخطر: الانتقال التدريجي من هشاشة النظام إلى نظام الهشاشة. لم تعد الرداءة نتيجة جانبية لفشل عابر، بل أصبحت بنية قائمة بذاتها، يُعاد إنتاجها يومياً داخل الإعلام، والتعليم، والثقافة، وحتى في تفاصيل الحياة العامة.

في مراحل سابقة، كانت الهشاشة تظهر في صور مألوفة: بيروقراطية ثقيلة، مؤسسات شكلية، خطابات رسمية مُتكرّرة، وغياب واضح للمحاسبة. كان الخلل سياسياً وإدارياً بالأساس، وكانت التفاهة مجرّد عرض من أعراض الانسداد. أما اليوم، فقد تبدّل المشهد. صارت التفاهة نفسها أداة اشتغال، وصار الفراغ يُدار بكفاءة أكبر من إدارة المعنى.

أصبح من الطبيعي أن يتصدّر النقاش العام شخص يثير الجدل بتصريح عابر، بينما يُهمَّش باحث قضى سنوات في دراسة قضية تمسّ المجتمع. وصار خبر تافه على مواقع التواصل يحصد ملايين المُشاهدات، في حين تمرّ تقارير عن البطالة، أو تراجع التعليم، أو أزمة الصحة العامة، بلا اهتمام يُذكر. هنا لا يتعلّق الأمر بذوق جماهيري فحسب، بل بترتيب جديد للأولويات، تُصنع فيه القيمة وفق منطق الإثارة لا وفق منطق الفائدة.

لم تعد الرداءة نتيجة جانبية لفشل عابر، بل أصبحت بنية قائمة بذاتها

في الإعلام، تراجع دور المنابر التي كانت تسعى - ولو نسبياً - إلى التنوير أو مساءلة الواقع، لصالح محتوى سريع يقوم على الصدمة والفضيحة والانفعال. برامج كثيرة لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل عن المشاهدة. ولم يعد الضيف يُختار لما يعرفه، بل لما يستطيع أن يثيره من صخب. وهكذا تحوّل بعض الفضاء الإعلامي إلى سوق مفتوح، تُسوَّق فيه السطحية باعتبارها جرأة، ويُقدَّم الضجيج على أنه حرية.

أما التعليم، الذي يُفترض أن يكون خطّ الدفاع الأوّل ضدّ الرداءة، فقد أصابه ما أصاب غيره. في عدد من البلدان، ما يزال التلميذ يُكافأ على الحفظ أكثر من التفكير، وعلى التكرار أكثر من السؤال. تتراجع الفلسفة والمنطق والعلوم الإنسانية أمام مناهج جافة، بينما يُطلب من الأجيال الجديدة أن تُنافس عالمياً بأدوات مدرسية قديمة. والنتيجة واضحة: شهادات أكثر، وكفاءات أقل.

حتى المجال الديني لم يسلم من هذا التحوّل. ففي الوقت الذي تحتاج فيه المجتمعات إلى خطاب أخلاقي عميق يُعيد الاعتبار لقيم العمل والعدل والرحمة، يبرز أحياناً خطاب سريع الاستهلاك، قائم على الفتاوى المُثيرة واللغة الشعبوية والحضور الإعلامي المُكثّف. يصبح الواعظ نجماً، بينما تتراجع الحكمة.

صارت التفاهة نفسها أداة اشتغال، وصار الفراغ يُدار بكفاءة أكبر من إدارة المعنى

الأخطر من كلّ ذلك أنّ نظام الهشاشة لا يحتاج دائماً إلى القمع المباشر. فهو يشتغل بطريقة أكثر نعومة: تشتيت الانتباه، إغراق الناس في تفاصيل بلا معنى، تحويل النقاش العام إلى سباق يومي وراء "الترند"، وربط قيمة الإنسان بعدد المتابعين لا بما يقدّمه من أثر حقيقي. حينها ينصرف المواطن عن مُساءلة الفساد أو المطالبة بالإصلاح، لينشغل بمعارك رقمية عابرة.

في هذا المناخ، تختلط الحدود بين الحقيقي والمُصطنع، بين الإنجاز والاستعراض، بين المعرفة والانطباع. وتصبح أخطر خسارة هي خسارة المعايير نفسها؛ لأنّ المجتمع الذي يفقد القدرة على التمييز، يسهل قياده ويصعب إنقاذه.

ومع ذلك، لا شيء قدرياً في هذا المسار. فكلّما انتشرت التفاهة بسرعة، يمكن للوعي أن ينتشر أيضاً، ولو ببطء. التاريخ يثبت أنّ المجتمعات قد تستيقظ فجأة بعد طول ضجيج، وأنّ صوتاً هادئاً وصادقاً قد يكون أبلغ من آلاف الأصوات المرتفعة.

المعركة الحقيقية اليوم ليست بين سلطة ومعارضة فقط، ولا بين قديم وجديد فقط، بل بين مجتمع يُكافئ المعنى، وآخر يكافئ الفراغ، وبين أمّة تصنع المستقبل، وأخرى تستهلك التفاهة ثم تتساءل لماذا تأخّر الزمن عنها.