اللغة والخطاب في خطة تهجيز الغزاويين
بعد انتهاء الحرب على غزّة إلى طاولةِ المفاوضات، وفي سياق تعاني فيه إسرائيل من ضغطٍ دولي كبير بعد فشلها في تحقيق أهداف الحرب، وتورّطها في جرائم حرب مُثبتة بالقانون الدولي ومحكومة في إطار محكمة العدل الدولية، برزت خطّة ترامب التي تتبنى فكرة التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزّة، متذرّعةً بجملةٍ من الأسباب الأمنية والإنسانية. وعلى الرغم من عدم إعلانها إلى الآن خطة أميركية رسمية مُعتمدة، إلّا أنها تتقاطع بشكلٍ كبير مع السردية الإسرائيلية والمسعى التاريخي لدولة الكيان إلى تهجير الفلسطينيين إلى دول الجوار لأجل إيجاد حل جذري لقطاع غزّة، الذي يقف حجرة عثرة أمام الأطماع الإسرائيلية في دولةٍ ممتدّة وقائمة من دون دولة فلسطينية تزاحمها.
على أن هذا التحوّل في الخطاب الأميركي من سياسة بايدن "الناعمة" على المستوى الخطابي إلى سياسة ترامب الهجومية والصدامية خطابيًا، ليس تغيّرًا في السياسة الأميركية فحسب، بل هي استراتيجية خطابية قائمة على أسس لغوية وتواصلية، تهدف بالأساس إلى إعادة رسم معالم الوعي الجمعي والتأثير على الرأي العام الدولي من خلال السعي نحو خلق ذهنية قادرة على تقبّل فكرة التهجير، وإن على سبيل فرضِ الأمر الواقع.
إنّ خطة ترامب، وإن بدت مجرّد تصريحات متفرّقة ومعزولة زمنًا وسياقًا، إلا أنها مؤطّرة باستراتيجياتٍ خطابية واضحة المعالم، تقوم بالأساس على أمرين كبيرين:
- أولهما، محاولة حجب الفاعل الأساسي، والمتسبّب الأوّل في الوضع المأساوي لقطاع غزّة، وهو آلة الحرب الإسرائيلية، ومحاولة تعويضها خطابيًا بفاعل آخر هو ترامب، بوصفه رجل اقتصاد لا رجل سياسة، ومن ثمّة محاولة التغطية على الواقع الحقيقي لقطاع غزّة بواقع جديد، يفرضه طرف مخاطِب جديد، بلهجة جديدة مغايرة وبلغة مختلفة عن المألوف، في محاولةٍ لخفض سقف توقّعات المنتظم الدولي والأطراف الفلسطينية وتسويق فكرة مفادها، أنّ ما كان مستحيلاً من تهجير الفلسطينيين من طرف الاحتلال الإسرائيلي، صار ممكنًا مع ترامب وفريقه الاقتصادي واللوبيات التي تقف من خلفه وتشجّعه على المضي قدمًا في خطّته.
يقوم الخطاب التهجيري على استراتيجية قوّية تقوم على الإغراق المعلوماتي من أجل التغطية على أي خطاب مضاد
- ثاني الملامح الخطَابية لهذه الخطّة هو محاولة فرض معجم جديد على العالم، من خلال تعويض المصطلحات المؤثّثة للسردية الشرعية للشعب الفلسطيني، بمصطلحات أخرى يتم فيها الانتقال من مصطلحات كبرى، كالأرض وحق العودة والعودة إلى الشمال، وغيرها مما يبنى به الترافع الفلسطيني على حقّ الشعب في أرضه، إلى بنياتٍ لغوية ودلالية بديلة يتم فيها تسويق هذه المصطلحات عملياتٍ غير قابلة للتحقّق، من قبيل استخدام ترامب مثلا جملة "غزة لم تعد قابلة للحياة"، ومصطلحات الموت والدم والجحيم بشكل كبير جداً ليبني في ذهن المتلقّي خيارين اثنين، فإمّا قبولٌ بالتهجير، وإمّا جحيم منتظر، مع الإقصاء التام والممنهج لأيّ احتمال آخر، وإن كان الأقرب للحقيقة والواقع.
يقوم الخطاب التهجيري أيضاً على استراتيجية قوّية تقوم على الإغراق المعلوماتي من أجل التغطية على أيّ خطاب مُضاد، وخلق جبال من المعلومات التي تغطّي على الحقيقة في أفق فرض الرؤية الترامبية حقيقة مطلقة غير قابلة للتفنيد ولا للمناقشة. ولعل أكبر مثال هو تزييف تصريحات العاهل الأردني بعد اللقاء مع ترامب وتسويق تصريحاته بوصفها موقفًا متماهيًا مع رؤية ترامب في الوقت الذي كذّبت فيه القنوات الرسمية الأردنية ذلك، مؤكّدة على موقفها الثابت من تهجير الفلسطينيين، لكن وبالرغم من ذلك فقد استمرّ ترامب في التعامل خِطابيًا، وكأن الأردن قد وافقت.
إنّ هذه الأساليب الدعائية والخطابية المركبّة التي تسعىَ إلى إعادة تشكيل الواقع، لا بُدّ معها، على المستوى العربي، من إعادة ضبط للقنوات الخطابية بحيثُ تكون قادرة على كشف حقيقة ما يجري بدلًا من الانجرار مع المصطلحات التي تفرضها الأطراف المُسيطرة على قنوات الترويج للتهجير. ولا بُدّ لأجل ذلك من الانتباه إلى أنماط الخطاب المُعتمدة لأجل الدفاع عن القضية الفلسطينية بلغةٍ واضحة تستعيد جوهرها الحقيقي، فهي ليست مجرّد "أزمة إنسانية"، بل جزء من قضية استعمارية ممتدّة، ما يُطرح فيها على أنه "إعادة توطين" ليس سوى تهجير قسري مُغلّف بلغة جديدة مدروسة الأسس، تحاول أن تحلّ محل الخيار العسكري الذي لم ينجح في تجاوز عقبة غزّة.