العلمانية من فرنسا إلى تونس: جدل الهوية والتحديث
وجد كلّ من بحث في البيئة الأولى التي ظهرت منها نظرية فصل الدين عن الدولة أنّ البلاد الفرنسية هي المنتج والمنفّذ الأوّل لهذه النظرية، حيث تمثّل فرنسا الأرضية التي نبت فيها مصطلح العلمانية، الذي جاء نتيجة تواتر الصراعات بين الدولة والكنيسة. وقد ساهمت هذه الصراعات في نشأة مصطلح خاص بالدولة الفرنسية، وهو ما يُعرف باللائكية، التي أصبحت نموذجاً لها.
وقد جاءت تسمية اللائكية ردّة فعل على تدخل الكنيسة في شؤون الدولة. وتكمن أهمية هذا الموضوع في اكتشاف الروابط التاريخية العميقة بين التجربة السياسية الفرنسية والتجربة السياسية التونسية، ومعرفة علاقة التوتّر بين الفرنسيين والتونسيين. وفي هذا الإطار، يتنزل موضوعنا الذي يسلط الضوء على خصوصيات اللائكية: فيم تتمثّل أهم خصائص العلمانية الفرنسية نشأةً ومفهوماً وتطوّراً؟ وإلى أي مدى أثرت اللائكية في البلاد التونسية؟
الكنيسة والسلطة في فرنسا
إنّ المُتمعن في الجذور التاريخية للائكية يلحظ أنّ الكنيسة الكاثوليكية كانت في العصور الوسطى تسيطر على الحياة العامة في فرنسا، بمعنى أنّ الحكم كان في تلك الفترة بيد رجال الدين، وهو ما كان يقلق رجال السياسة. لذلك عملوا على الحدّ من هذا الوضع، ما دفعهم إلى إقامة ثورة تُسقط حكم الكنيسة ولو بصفة جزئية.
وقد اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789، ومنها بدأ تقليص دور الدين داخل الدولة. ومع ذلك، ظل الدين حاضراً في الشؤون السياسية إلى أن صدر قانون 1905 الذي ألغى رسمياً هيمنة الدين على الدولة. وقد ساهم ذلك القانون في تأسيس مصطلح اللائكية الذي يمثل خصوصية الجمهورية الفرنسية باعتباره قراراً سياسياً وقانونياً يقضي بالفصل المطلق بين المؤسسة السياسية والكنيسة.
نشأت دولة تحدد كل ما يصدر عن الدين، فيما بقيت العلمانية الفرنسية ذات طابع عدواني تجاه الظاهرة الدينية: فلا دعم لأي مؤسسة دينية
ومنذ ذلك الحين، نشأت دولة تحدد كل ما يصدر عن الدين، فيما بقيت العلمانية الفرنسية ذات طابع عدواني تجاه الظاهرة الدينية: فلا دعم لأي مؤسسة دينية، ولا يُسمح للموظفين بإظهار رموز دينية أثناء عملهم. ومع أن فرنسا فرضت هذا المبدأ على رجال الدين والمؤسسات والمتدينين، إلا أنه لم يأت دفعة واحدة، بل تدرّج عبر ثلاث مراحل:
1. تحييد سلطة الدين التي كانت تسيطر على التعليم والقضاء والسياسة.
2. ظهور فلاسفة التنوير، لا سيما جان جاك روسو الذي رفض سلطة الدين قائلاً: "الدين الذي يفصل المواطن عن الدولة لا يمكن قبوله" (العقد الاجتماعي).
3. الثورة الفرنسية عام 1789 التي قلّصت دور الدين، ثم إصلاحات القرن التاسع عشر التي فصلت التعليم عن الكنيسة، وصولاً إلى قانون 1905 الذي منع رسمياً أي تمويل أو تدخل ديني في الحياة العامة.
بهذا المسار، تمكنت فرنسا من تنظيم الفضاء العام على أساس الحياد الديني، فأصبحت اللائكية إحدى أبرز خصوصياتها السياسية والاجتماعية.
أثر اللائكية في تونس
لا يمكن الحديث عن اللائكية الفرنسية دون التوقف عند أثرها في تونس التي استعمرتها فرنسا حتى 1956. فقد تأثرت تونس بالنموذج الفرنسي الذي كان يُنظر إليه باعتباره نموذجاً للتقدّم. وقد سار الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية، على خطى فرنسا في تبنّي فكرة فصل الدين عن الدولة باعتبارها وسيلة لتحديث المجتمع.
رأى بورقيبة أن إدارة الدولة يجب أن تخضع لقوانين وضعية لا دينية، معتبراً الدين مسألة شخصية وليس إطاراً لتسيير شؤون الدولة. ويتجلى أثر اللائكية في تونس في عدة مجالات، أبرزها:
- القوانين المدنية: أُصدرت مجلة الأحوال الشخصية عام 1956 التي نظّمت الزواج والطلاق عبر القضاء المدني لا عبر الفقه الديني.
- التعليم: فُرض نموذج تعليمي موحّد وعلماني، يقوم على العلوم الحديثة ويُهمّش التعليم التقليدي الديني، فأصبحت المدارس التونسية شبيهة بالمدارس الفرنسية في مناهجها.
- الفضاء العام: اتخذ بورقيبة موقفاً حازماً ضد الحجاب في المدارس والفضاءات العمومية معتبراً الرموز الدينية شأناً شخصياً لا عاماً.
- السياسة: تقليص دور الدين داخل الحياة السياسية، ما أسس لنظام علماني يحدّ من تأثير الإسلام السياسي.
وقد اعتبر المفكر المصري عبد الوهاب المسيري أن "العلمانية في تونس نموذج تطبيقي للعلمانية الشاملة". أي أنها سارت نحو إقصاء شبه كامل للدين من المجال العام، وهو ما جعلها أقرب إلى اللائكية الفرنسية.
إشكالية الهوية في التجربة التونسية
ظهرت اللائكية في تونس مطابقة تقريباً لصيغتها الفرنسية، ما يعكس التبعية غير النقدية التي مارسها قادة البلاد حينها
يمكن القول إذاً إن اللائكية ألهمت تونس في تبنّي الدولة المدنية القائمة على القوانين الوضعية وحياد الدولة تجاه الشؤون الدينية، كما ركّزت على التعليم القائم على القيم العلمية العالمية بدلاً من الدينية. غير أنّ تونس لم تطبق هذه المبادئ بالطريقة الفرنسية نفسها، بل حاولت، نظرياً على الأقل، التوفيق بين الهوية العربية الإسلامية والتحديث العلماني. لكن على أرض الواقع، كان الميل أوضح نحو الجانب العلماني مع تراجع ملحوظ لدور الدين في بناء الدولة. وقد ترك الاستعمار أثراً عميقاً في الذهنية التونسية، حيث ظلّت أفكاره راسخة حتى بعد رحيله، وهو ما يعكس من جهة قوة النفوذ الاستعماري، ومن جهة أخرى قدرة المجتمع التونسي على التأقلم مع محيط خارجي وثقافة جديدة.
ومع التعمّق في دراسة مدى تأثير اللائكية في تونس، تبرز تساؤلات عدّة، أهمها: هل كان تبنّي العلمانية خياراً مناسباً لمجتمع ذي جذور دينية عميقة وهوية إسلامية راسخة في تاريخه؟ إذ يبدو أحياناً أنّ هذه التجربة فُرضت فرضاً، خاصة أن المواطن التونسي وجد دولته تتجاهل الدين وتسعى إلى "عقلنته" لخدمة المشروع السياسي. وقد ساهم هذا التهميش في صعود تيارات دينية متشددة في ردّ فعل على إقصاء الدين. لذلك كان من الأجدر أن تستلهم تونس ما يتناسب أولاً مع بيئتها وثقافتها الإسلامية، بدلاً من التقليد الأعمى للنموذج اللائكي، وهو التقليد الذي أدى إلى صدام مع الواقع بسبب تجاهل الخصوصيات والفوارق التي تميّز كل تجربة عن أخرى. ومن هنا يمكن استخلاص أن اللائكية أثّرت في التونسيين في مختلف المجالات تقريباً.
في الختام، يمكن القول إن فرنسا، باعتبارها المنتج الأول لمصطلح العلمانية، نجحت في جذب أنظار الشعوب الأخرى إليها، خصوصاً في فترات ضعفها، ما سهّل عليها فرض خصوصيتها في علاقة الدين بالسياسة، لا سيما على المجتمعات العربية، وفي مقدمتها تونس. ويتجلّى ذلك بوضوح في سياسات مثل التضييق على الحجاب أو إغلاق المساجد في مرحلة ما بعد الاستقلال، وهو ما يعكس قوة التأثير الفرنسي واستمرار ارتباط الشعب التونسي بها سعياً للحاق بركب تقدّمها، وإن كان ذلك دون مراعاة للبيئة التي نشأت فيها اللائكية. وقد ساهم هذا الوضع في خلق صدمات اجتماعية داخل المجتمع التونسي، إذ ظهرت اللائكية في تونس مطابقة تقريباً لصيغتها الفرنسية، ما يعكس التبعية غير النقدية التي مارسها قادة البلاد حينها. وهذه النقطة تكشف أن المجتمع التونسي في تلك المرحلة لم يكن عنصراً فاعلاً في صناعة القرار، بل فُرضت عليه السياسات فرضاً، وهو ما يترجم بدوره استبداد السلطة.