العدالة الجندرية كما تُعاش: تحوّلات السلطة داخل العائلة السورية

10 يناير 2026
+ الخط -

حين يُطرح موضوع العدالة الجندرية، غالباً ما يتجه النقاش نحو القوانين، والسياسات، والخطابات الحقوقية. تُقاس التحوّلات بما يُنتزع من حقوق مكتوبة، أو بما يُعلن من التزامات رسمية. لكن هذا المنظور، على أهميته، يغفل مساحة مركزية تُمارَس فيها العدالة أو يُعاد إنتاج غيابها يومياً: العائلة.

في السياق السوري، حيث أعاد النزوح والحرب والفقدان تشكيل البُنى الاجتماعية، لم تكن العائلة كياناً ثابتاً أو مُحايداً، بل تحوّلت إلى ساحة تفاوض مستمر، أُعيد فيها توزيع الأدوار، والمسؤوليات، والسلطة، من دون أن يُطلق على ذلك اسم "عدالة جندرية". كثيرٌ ممّا تغيّر في حياة النساء لم يُصَغ بوصفه مطلباً حقوقياً، لكنه حدث فعلياً، وبصمت من داخل الحياة اليومية.

من الحقوق إلى السلطة الفعلية

الفرق الجوهري بين خطاب الحقوق والعدالة كما تُعاش هو أنّ الأوّل ينشغل بما ينبغي أن يكون، بينما الثانية تتشكّل ممّا هو ممكن. داخل العائلة لا تُقاس السلطة فقط بمن يملك الحقّ القانوني، بل بمن يملك القدرة على اتخاذ القرار، وعلى التأثير في مسار الحياة اليومية.

داخل العائلة لا تُقاس السلطة فقط بمن يملك الحقّ القانوني، بل بمن يملك القدرة على اتخاذ القرار، وعلى التأثير في مسار الحياة اليومية

في كثير من الأسر السورية اليوم أصبحت النساء صاحبات قرار في مجالاتٍ لم تكن مُتاحة لهنّ سابقاً؛ اختيار مكان السكن، أو إدارة الميزانية، أو تقرير تعليم الأطفال، أو اتخاذ قرارات تتعلّق بالهجرة أو البقاء. هذه السلطة لا تمرّ عبر نصوص قانونية، بل عبر الممارسة المُتكرّرة. ومع الوقت تتحوّل الممارسة إلى شرعية غير مُعلنة، يصعب تجاهلها حتى من قبل من لم يَعترف بها نظرياً.

الضرورة قوّةَ تغييرٍ

لم تأتِ هذه التحوّلات نتيجة وعي نظري بالعدالة الجندرية، بل نتيجة الضرورة. الحرب وفقدان المعيل، والبطالة الواسعة بين الرجال، والنزوح القسري، دفعت النساء إلى مواقع لم يكنّ مُهيّآت لها اجتماعياً، لكنهن وجدن أنفسهن مُضطرات إلى شغلها. في هذا السياق لم يكن هناك متّسع للنقاش حول "الدور الطبيعي". من كان قادراً على العمل، عَمِلَ، ومن كان حاضراً، قرّر. ومع تكرار هذه الديناميكيات تغيّرت القواعد من دون إعلان تغييرها رسمياً. ما بدأ بوصفه استثناءً مؤلماً، تحوّل إلى ممارسة اعتيادية، ثم إلى جزءٍ من الواقع الأسري.

السلطة التي لا تُسمّى

ما يميّز هذه التحوّلات أنها غالباً غير مُسمّاة. كثير من النساء لا يعرّفن ما يفعلن بوصفه سلطة، ولا يُطالبن بالاعتراف به، لكن غياب التسمية لا يعني غياب الفعل. حين تُدير امرأة موارد الأسرة، أو تتخذ القرار في لحظةِ أزمة، أو تُصبح المرجع الأساسي للأبناء، فهي تمارس سلطة فعلية، حتى وإن ظلّ الخطاب العام محافظاً.

ما بدأ بوصفه استثناءً مؤلماً، تحوّل إلى ممارسة اعتيادية، ثم إلى جزء من الواقع الأسري

هذا الشكل من السلطة الصامتة أقلّ صدامية من المُطالبة العلنية بالحقوق، لكنه أكثر التصاقاً بالحياة اليومية. وهو في كثير من الحالات أكثر قدرة على الاستمرار، لأنّه لا يهدّد البنية الاجتماعية بشكل فجّ، بل يُعيد تشكيلها من الداخل.

التفاوض بدل المواجهة

في كثير من الأسر، لم تأتِ هذه التحوّلات عبر صراع مباشر بين النساء والرجال، بل عبر تفاوض طويل فرضته الظروف. رجل فقد دوره التقليدي مُعيلاً، وامرأة اضطرت إلى تحمّل هذا الدور جزئياً أو كلياً. هذا التحوّل لم يكن سهلاً، ولا خالياً من التوتّر، لكنه فرض إعادة توزيع عملية للسلطة.

هذا التفاوض اليومي حول المال، والقرار، والمسؤولية شكّل مساحة تُمارَس فيها العدالة الجندرية من دون خطاب. لم يكن الهدف المُعلن هو المساواة، بل الاستمرار. ومع ذلك كانت نتيجة هذا التفاوض تقليص الفجوة في السلطة، ولو بشكل غير مكتمل.

أثر التحوّل على الأبناء

أحد الجوانب الأقل نقاشاً في هذه التحوّلات هو أثرها على الأبناء. حين يكبر الأطفال في أسر تقود فيها الأم القرارات الأساسية، أو تشارك فيها بوضوح، يتغيّر تصوّرهم للسلطة الجندرية، حتى وإن لم يُناقَش ذلك صراحة.

التفاوض اليومي حول المال، والقرار، والمسؤولية شكّل مساحة تُمارَس فيها العدالة الجندرية من دون خطاب

هذا لا يعني بالضرورة نشوء وعي نسوي، لكنه يعني تآكل الصورة الأحادية للسلطة داخل العائلة. هذه التغييرات البطيئة، المُتراكمة، قد تكون من أكثر التحوّلات استدامة، لأنها تُعيد تشكيل التوقّعات بين جيل وآخر.

هشاشة المكاسب غير المعلنة

مع ذلك، تبقى هذه التحوّلات هشّة لأنها غير محمية قانونياً، وغير مُعترف بها اجتماعياً بشكل كامل، فهي قابلة للتراجع. تحسّن الوضع الاقتصادي للرجل، أو عودة خطاب "الوضع الطبيعي"، قد يُعيدان ترتيب السلطة القديمة بسرعة. هذا يضع النساء أمام مفارقة صعبة: لقد مارسن السلطة لكن من دون ضمانات. وهذا ما يجعل السؤال التنموي أكثر تعقيداً: كيف يمكن دعم هذه التحوّلات من دون سحقها بخطاب لا يعكس تجربة النساء، أو من دون تركها عرضة للانهيار؟

خارج خطاب "حقوق المرأة"

الابتعاد عن خطاب حقوق المرأة هنا لا يعني التقليل من أهميته، بل الاعتراف بحدوده. الخطاب الحقوقي ضروري، لكنه ليس اللغة الوحيدة التي تُمارَس بها العدالة. في السياق السوري تُمارَس العدالة الجندرية أحياناً بوصفها حلّاً عملياً، لا مطلباً سياسياً. الإصغاء إلى هذه الممارسات، وفهم منطقها قد يفتح المجال أمام مقاربات تنموية أكثر تواضعاً، وأقل وصاية. مقاربات تعترف بأنّ النساء لا ينتظرن دائماً أن تُمنح لهنّ السلطة، بل يمارسنها بالفعل حين تُجبرهن الظروف على ذلك.

العدالة التي لا تُرفع بوصفها شعاراً

ربما تكون العدالة الجندرية في سورية اليوم أكثر حضوراً مما يبدو، لكنها لا تُرفع بوصفها شعاراً، ولا تُكتب دائماً في تقارير. هي موجودة في القرار اليومي، وفي التفاوض الصامت، وفي تحمّل المسؤولية حين يغيب البديل. هذه العدالة غير مُكتملة، وغير محصّنة، لكنها حقيقية. والاعتراف بها لا يعني الاكتفاء بها، بل الانطلاق منها. فالتغيير الذي لا يُبنى على ما يعيشه الناس فعلياً، يبقى حبيس الخطاب، مهما كانت نيّاته حسنة.

لارا زياد المحمد
لارا زياد المحمد
كاتبة وناشطة سورية، حاصلة على ماجستير في اللغات السامية القديمة (العبرية والسريانية) من جامعة حلب 2011.