الطفلات السوريات... حلقات متجدّدة من العنف والخطر
سلوى زكزك
تتسع دائرة الأذى الشديد الذي يحيق بالنساء والفتيات والطفلات السوريات؛ انتهاكات متعدّدة ومتكررة. الصورة الكاملة واضحة، مهما جرى التلاعب بالوقائع، ومهما جرى الضغط على الضحايا، إن عدن أحياءً، وعلى أهلهن لتزوير الحقيقة. الضحية معروفة شكلاً وعمراً واسماً، وحتى طريقة القتل محسومة ومعروفة.
يومياً، عشرات الأخبار عن اختطاف النساء والفتيات والطفلات، وإعلانات عن غياب طفلات، وصور لآثار تعذيب، وصرخات أمهات يستغثن لإعادة بناتهن إلى أحضانهن، ووقفات احتجاجية تطالب بأحقية الأمهات في الوصاية والرعاية والحماية. والمحصلة جثامين طفولية مرمية في قيعان الأرض التي تحولت إلى قبور ممتدة. يتحول الأطفال، وخاصة الطفلات، إلى مجرد أدوات، إلى صناديق بريد دموي لمعاقبة الأمهات؛ لأنهن طلبن الطلاق، أو لأنهن تزوجن بعد الطلاق.
لكن الخبر الأول، الخبر المحسوم والقاهر، هو إعلان الموت قتلاً على يد أحد أفراد العائلة، والجميع مشارك: بالإنكار، وبالتكتم، وبالصمت. يبدو حال الطفلات السوريات غارقاً في ثباته في القاع الدامي، وفي سوداويته، إذ لا فرص للنجاة.
القتيلة هنا طفلة؛ لم تمت فجأة، بل ماتت كل يوم ألف ميتة. ولم تختفِ عن عيون أهلها دون سبب معروف، بل هم من أخفوها بعد موتها تحت الحجارة في البرية. لا مفاجآت هنا، بل نتائج حاسمة لسيرورة العنف المرخّص من المجتمع، ومن القضاة الذين يمثلون القانون ويتجاهلون الموت اليومي والتعنيف والبطش الوحشي باسم القانون أيضاً، معاً.
هذا ما حصل مع الطفلة نور مهند الدوس من مدينة درعا، والتي تبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، مع أنها قالت في مقابلة سابقة على إحدى محطات المسابقات إنها لا تعرف عدد سنوات عمرها أصلاً. فتخيلوا!
يتحول الأطفال، وخاصة الطفلات، إلى مجرد أدوات، إلى صناديق بريد دموي لمعاقبة الأمهات؛ لأنهن طلبن الطلاق، أو لأنهن تزوجن بعد الطلاق
لم يُذكر إن كانت تقصد المدرسة للتعلّم، أم أنها تحولت إلى أم صغيرة لكل أطفال العائلة الكبيرة الذين ترعاهم بحنان كبير. إنها ابنة أم مطلقة وغائبة عنها بسبب زواجها، فبقيت الطفلة في حضانة جدتها لأمها، حسب قانون الحضانة.
يبدأ المشهد منتهياً: جثمان مثخن بالجراح والعنف والتعذيب اليومي، وبمعرفة الجميع. يضاف إليه خبر ثقيل جداً وموجع، وهو تعرضها لاغتصاب همجي من عمها.
طفلة تعيش في بيت جدها لوالدتها بعد طلاق أمها، بعدما أصر الأب على استعادتها والفوز بحضانتها، رغم أنها لم تنهِ الخامسة عشرة، وهو سن انتهاء الحضانة؛ أي أنه قانوناً ما زال في الإمكان حماية تلك الطفلة من عنف متوقع. ما زال في عمرها الغض المسفوك فرصة لثلاثة أعوام أخرى دون قتل، لكن القاضي أقرّ بعودتها إلى أبيها لتعيش في بيت العائلة الكبير، إذ كانت تتعرض للعنف اليومي، وعلاماته ظاهرة وبالغة.
حتى عندما اشتكت أمها وبيت جدها للقاضي من العنف الذي تتعرض له الفتاة، بمعروض نظامي، أغلق القاضي الملف، والرجاء المعقود على أمل النجاة وطلب الحماية، وأغلق أبواب العدالة كلها بقوله: "أهلها بدهم يربوها"، وكأنه قد أعطاهم تصريحاً بقتلها.
بعد كل جريمة بحق النساء والشابات والطفلات، تسيل حكايات الغضب العميق من أفواه النساء أنفسهنّ. سيدة تعلن أن أحد قضاة المدينة نفسها التي قُتلت فيها الطفلة نور قد قال علناً إنه لا يجد ضيراً في أن تعيش أم وبناتها في الشارع، بعد أن طردها زوجها من منزل العائلة، والقصة تخصها شخصياً.
ثمة قصة قهر أخرى تُروى في المدينة ذاتها أيضاً، عن قاضٍ يصدر قراراً بحرمان أم من رؤية طفلتها، ويعلن من على محراب القانون وقبة العدالة: "النساء بدهن دعس على رؤوسهنّ".
تبدو الحقيقة أكبر من بقعة جغرافية محدّدة، ومن جرائم يجري التواطؤ على إنكارها، ومن سلسلة يومية ومستمرة من التعذيب والتعنيف. تبدو الحقيقة وكأنها قرار مدعوم بكراهية المجتمع والقضاء والعدالة للنساء علناً، والإصرار على تحميلهن كل الجرائم، وكأنهن الجانيات ولسن الضحايا.