الشماتة وذاكرة الألم

29 مايو 2026
+ الخط -

ثمّة مفاصل حياتية فارقة، تستنهض الذاكرة العامرة بالتفاصيل المؤلمة. يتحوّل استنهاض الذاكرة إلى صراع وجودي؛ تاريخ كامل يتسرّب في لحظة المواجهة مع الكارثة، وعلى المقلب الآخر صراعاتٌ أخرى تتكشّف؛ عجز عن التضامن، شماتة، تجاهل، والأهم هو التهرّب من توصيف ما يحصل، وتحديد كلّ مفاصل الكارثة وبنيتها المادية والإنسانية والمعنوية.

دير الزور تغرق، يعترض الكثيرون: إنّها لا تغرق! لكن يتم إغراقها بفعل الفوقية التركية وبفعل التجاهل الرسمي لكارثة مرئية ومرتسمة الملامح. لكن التجاهل صنعة كما يقولون، والتصريحات المُخادعة التي تنفي الوقائع المزرية للبنى التحية ومقوّمات الصمود والحلول الإسعافية منعدمة تماماً. هنا لا تنفع المبادرات الفردية، ولا تملك منظّمات المجتمع المدني والمبادرات الجماعية والجمعيات والفرق الصغيرة عنفات هيدرولوجية أو أحواض أو آليات اختصاصية وثقيلة لتُغيّر المعادلة الجارية على الأرض بتخريب شديد وإنكار مُرعب.

يتبادل أهل المدينة ذاكرة التهميش المُزمن. تهبط الروح إلى أدنى درجات اندفاعتها. استكانة مطلقة، والعين والقلب مركّزان على السنابل. هل تنجو المواسم؟ الصور القادمة من هناك تتبع حركة أشخاص يلاحقون كيس قمح محصود، وكأنّه جسدٌ غالٍ يكاد أن يموت. يتسرّب بيدرٌ كامل من أيدي أصحابه ويرحل باستسلام مؤلم، وكأنه لا يعي ماذا يعني رحيله في هذه اللحظة.

يتسرّب بيدرٌ كامل من أيدي أصحابه ويرحل باستسلام مؤلم، وكأنه لا يعي ماذا يعني رحيله في هذه اللحظة

 يعرض البعض منشورات شامتة، لأشخاص تمّت الشماتة بهم من قبل. تتحوّل الشماتة إلى ما يشبه الدين والوفاء. يا للويل، للكلّ من الكل، عند استحقاق الكارثة، شماتةٌ جاهزة، مصنوعة بحقد ومرتبة بفصاحةٍ همجية. التبادل الشامت هنا مرتبط بذاكرة المجزرة، في غمضة عين تحوّل أبناء تلك المدينة إلى أعداء. لم يعد مُمكنًا، حسب ذاكرة المجازر، التمييز في هذه اللحظة ما بين الانطباع العام المُتولّد من مشاركة البعض في مجزرتي الساحل والسويداء. تموت هنا السردية الأصيلة عن الاستخفاف والتهميش، تتراجع روح التضامن بل تنعدم لأنّ ذاكرة الاستباحة ما زالت طازجة. هي المدن تدفع دوماً ضريبة جرِّ البعض من أهلها إلى مستنقع المشاركة بقتل الآخر إرضاءً للأقوى، أو انغماساً في تركيبةٍ انتقامية يولّدها ألف حيفٍ وألف بينٍ وانعدام أو إعدام مئات الآلاف من مبرّرات أو مرتكزات العيش المُشترك كما ينبغي لأفراد يتقاسمون وطناً واحدًا على امتداد الجغرافية التي تحوّلت إلى فتيل للمجزرة.

ثمّة سؤالٌ تلقائي يفرض نفسه: لماذا نتضامن؟ ليردّ لنا الدين بكارثة للتضامن معنا؟ هذا السؤال يحمل بين طياته بعداً عميقاً مُمعناً في تغييب أسباب التضامن من أصلها، وهو اعتبار كلّ جرح أو انتهاك أو كارثة تواجه واحداً هي بالمحصلة مواجهة حاسمة للجميع. تغيب الروح الجماعية لاستنهاض خصوصيةٍ توحي بالقوة، بالطمأنينة رغم محدوديتها، لكن العمق صاحب المعنى هنا هو لماذا نحتاج هذه القوّة التي تقوم على استضعاف الآخر والعداء معه وارتكاب المجازر بحقّه؟ 

إنه الغرق.. سيطاول الجميع؛ مدناً وأبناء جغرافية صارت فخاً

إنّه السؤال الأهم الذي يفصح عن اختلال بنيوي وأصيل في العلاقة مع المركز. يبدو المركز هنا مُصادراً للقوّة الفردية والعامة، ودافعًا للأشخاص منزوعي القوّة إلى تحصيلها بأيديهم ولكن بتلاعب وتوجيه من المركز. والمركز هنا هو السلطة التي يجب أن تقف على المسافة نفسها من الجميع، لكنها تتلاعب بالمسافات وبالجميع في الوقت عينه. لذلك فإنّ استنهاض التهميش العميق هنا لا يساوي شيئاً أمام شعور غامرٍ بالقوّة المُستحدثة بفعل تلاعب المركز، وبفعل تأخير ترقيم عدّاد المسافات ما بين الجميع، بالتساوي، وعلى أساس مواطني عادل ومنصف.

لا المتألم قادرٌ على تبرير الشماتة أو تمريرها كاستحقاق ظنّ أنّه غير قابلٍ للسداد، ولا الشامت قادرٌ على تفويت فرصة سنحت للانتقام، ولو بكلماتٍ كيدية جوفاء تحمل في باطنها ذاكرة الألم والخوف الذي يوجّه حواسه كافةً. إنه الغرق.. سيطاول الجميع مدناً وأبناء جغرافية صارت فخاً.

سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك
مدونة سورية تقيم في دمشق، تكتب مقالات وتحقيقات صحافية، وصدرت لها ثلاث مجموعات قصصية. تكتب في مواضيع النسوية والجندر وتهتم بقضايا العنف الاجتماعي.
سلوى زكزك