السيرة الذاتية خارج مركزية الغرب

27 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:08 (توقيت القدس)
+ الخط -

لم تكن السيرة الذاتية حكراً على التجربة الغربية كما توحي بعض الدراسات الحديثة. في كتابه "بدايات السيرة الذاتية عند العرب: الأعراف والأنواع والمقاصد"، يقدم الباحث المغربي محمد الوردي رؤية تضع الكتابة الذاتية في قلب الإنتاج الأدبي العربي القديم. وينطلق الوردي من أن إشكالية تلقي هذه النصوص لا تكمن في ندرتها، بل في قراءتها وفق معايير غربية تشكلت في سياق ثقافي مختلف. فالمقاربات التي استعارت النموذج الغربي وطبّقته على السير العربية القديمة خلقت فجوة غير حقيقية بين التراث العربي والسيرة الذاتية، وكأن العرب لم يمارسوا هذا النوع إلا متأخرين. ومن هنا تأتي أهمية دراسة النصوص وفق بنيتها الداخلية وفهم كيف كتبت الذات حضورها وفق شروط لغوية وبلاغية تختلف عن النموذج الغربي.

يشير الوردي إلى أن النقد العربي وقع غالباً في أسر "سلطة المحددات" التي رسختها السيرة الغربية بعد اكتمال نموذج روسو، فاعتُبر هذا النموذج معياراً لكل ما سبقه، بما في ذلك النص العربي التراثي، ما أدى إلى حكم مسبق بأن السير العربية ناقصة لأنها لا تتضمن اعترافات فردية أو كشفاً مكشوفاً عن الذات. ويعرض الوردي نقده لدراسة يحيى عبد الدايم، التي حاولت تطبيق المعايير الغربية على نصوص مثل سيرة الشعراني وابن خلدون، متجاهلة السياق البلاغي والهوية الخاصة لهذه النصوص.

تعدد المصطلحات ووحدة التجربة

يستعرض الوردي تنوع المصطلحات العربية التي تدل على الكتابة عن الذات: السيرة، الترجمة، الترجمة الذاتية، الفهرسة، المناقب، والسيرة الشخصية. هذا التعدد يعكس تنوع الأغراض: التعليم، التوثيق، التأمل الروحي، أو نقل التجربة السياسية والعلمية، وليس ارتباكاً اصطلاحياً. وما يجمع هذه الأنواع أنها تظهر الذات في النص بما يتوافق مع الأعراف الثقافية والاجتماعية. ويشير الوردي إلى أن الدراسات الحديثة غالباً ما أعادت تعريف السيرة وفق النموذج الغربي، متجاهلة خصوصيات النص العربي القديم.

كذلك أعادت بعض الدراسات الغربية المعاصرة الاعتبار للسيرة العربية، مثل الكتاب الجماعي "ترجمة النفس: السيرة الذاتية في الأدب العربي" الذي حرره دويت راينولدز، حيث جمع نصوصاً عربية متنوعة: سيرة الحكيم الترمذي، الغزالي، ابن خلدون، السيوطي، والشعراني، مقدماً مزيجاً بين التحليل النقدي وعرض النصوص، ما ساعد على توسيع الفهم بعيداً عن المقارنة الصارمة بالنموذج الغربي.

السيرة من الاعتراف الديني إلى الفردانية الغربية

لشرح الفهم الخاطئ للنموذجين، يستعرض الوردي مسار السيرة في الغرب، المرتبط بالطقوس المسيحية والاعتراف عند أوغسطين، حيث كانت الكتابة الذاتية فعلاً تطهيرياً موجّهاً نحو الله. ومع روسو تحررت السيرة الغربية من بعدها الديني، وأصبحت فردانية، مع التركيز على الكشف عن الذات، الصدق، والبوح للقارئ بدل الإله. ومع ذلك، حافظت على وظيفة تعليمية، وتقديم الذات نموذجاً أو عبرة، وإن تحولت أحياناً إلى سرد فضائحي.

الذات العربية بين الأخلاق والمعرفة والروحانية

في المقابل، تتخذ السيرة العربية مساراً مغايراً. لم يكن الهدف الاعتراف أو التخلّص النفسي، بل التعليم، التوثيق، أو تبليغ الخبرة. كانت السيرة الغيرية أكثر قبولاً، لأنها تحفظ الكاتب من ادعاء الفضل، بينما السيرة الذاتية تظهر غالباً لأغراض محددة: بيان مسار علمي، تبرير موقف، أو تفسير تحول روحي. ويبرز الجانب الأدبي في سيرة الحكيم الترمذي، الذي ركز على المشاعر والمعاناة الشخصية في إطار روحي وأخلاقي، مظهراً توازن الذات بين التعبير عن التجربة الفردية والتزام القيم الاجتماعية والدينية.

يتوقف الوردي عند تحديد أول سيرة عربية، ويذكر اختلاف الباحثين: روزنتال يقسمها إلى سيرة روحية (المحاسبي) وسيرة دنيوية (حنين بن إسحاق)، أنور الجندي يرى الغزالي، وطه حسين يفضل ابن خلدون. ويرفض الوردي حصر البداية في نص واحد، معتبراً أن السيرة ظهرت مبكراً وبأشكال متعددة، مؤكدة معرفة العرب بالكتابة عن الذات وممارستها وفق أهداف مختلفة.

يخلص الوردي إلى أن السيرة العربية مكتملة ضمن شروطها الثقافية والاجتماعية والدينية. وهي ترتبط بقصد بلاغي: بناء نموذج إنساني، نقل الحكمة والتجربة، وإظهار المسار الأخلاقي أو الروحي. وهذا يفسر سيطرة السيرة الغيرية، ودور التصوف في توسعة مجال الكتابة الذاتية، وغياب الاعتراف المكشوف كما في الغرب. وبهذا، تصبح القراءة الصحيحة للتراث العربي مطالبة بالتحرر من المركزية الغربية، والاعتراف بتعدد الأشكال والغايات للكتابة عن الذات في الثقافات الإنسانية.