الخطُّ الأصفر: حدودُ الحُلمِ المحاصَر في غزة

02 ديسمبر 2025
+ الخط -

غزة، مدينةٌ تسكن في هامش الخريطة، في ما بعدَ اللون وما قبلَ الوجود، على امتداد رملٍ يلامس آخرَ أنفاس البحر. ثمّة خطٌّ أصفر باهت يمتدّ كأنّه جرحٌ طويل شُقَّ في جسد الأرض، ليقسمها بين حياةٍ مهدورةٍ وحلمٍ محاصَر.

خطٌّ يمتدّ في الدم، في اللغة، في الفكرة، لا في الأرض فقط. يبرز كرمزٍ مركزيٍّ للحدود والمراقبة والتحكّم في المساحات، لكنه أيضاً مرآة للحلم المكبوت.

ليس مجرّد إشارة مروريّة، بل حاجزٌ نفسيّ وجغرافيّ في آنٍ واحد؛ يحدّد المسافة بين الممكن والممنوع، بين الحرية والخوف، بين الوجود والغياب.

الخطّ الأصفر، في هذه المدينة، أصبح لغة الصمت والإرغام، علامةً على القهر السياسيّ والاجتماعيّ، ومقياساً للمسافة بين الإنسان وحقّه في الحياة.

إنّه حافة الأمل ومصيدة الواقع، حيث تُقاس الأحلام بالمتر، وتُقيَّم الحرّيّة باللون، وتُختبَر الإنسانيّة بقدرة الفرد على المقاومة في فضاءٍ ضيّق، مراقَب، محدَّد، ومشحونٍ بالتهديد.

كلّ خطوة نحوه مغامرة حياةٍ معلّقة على ضوء قنّاص، وكلّ نظرةٍ إليه فعلُ مقاومةٍ صامتة ضدّ جغرافيا تُرسم بأوامرَ لا تعرف الإنسان. فوقه يمرّ نسيمٌ يحمل رائحة القمح، وتحته تختبئ أصوات الذين مضَوا. هناك تتقاطع الأزمنة: زمنٌ راحلٌ لم يكتمل، وزمنٌ قادمٌ لم يولد بعد.

يقولون إنّه خطٌّ أمنيّ، خطّ فصلٍ بين الخطر والأمان، لكن من قال إنّ الأمان موجود أصلًا؟ ومن قال إنّ الخطر هناك فقط؟

الخطر يسكننا، في تفاصيلنا، في صمتنا، في هذا الانتظار الطويل الذي صار طبيعةً ثانية للهواء.

أنا لا أراه خطاً، بل تجسيداً للعصر؛ فالعالم بأكمله يعيش اليوم على حدود الخطوط: خطوط الخوف، وخطوط العزلة، وخطوط الزجاج الأزرق للشاشات.

الخطّ الأصفر ليس في غزّة فقط، إنّه حدّ العالم كلّه، حدّ الوعي، وحدّ الروح حين تفقد ثقتها بالمستقبل

الخطّ الأصفر ليس في غزّة فقط، إنّه حدّ العالم كلّه، حدّ الوعي، وحدّ الروح حين تفقد ثقتها بالمستقبل.

والمعاصر في الأمر أنّ كلّ شيء صار مؤقّتاً، هشّاً، سريع الزوال: حتى الألم صار متّصلاً بالإنترنت، وحتى الصبر صار منشوراً، وحتى الموت صار "خبراً عاجلاً" يُنسى بعد دقائق.

الخطّ الأصفر تجسيدٌ للفلسفة القديمة للحدّ، ذلك المفهوم الذي يجعل من الحدود ليست جغرافيا فحسب، بل اختباراً للوجود ذاته.

فحيث وُجد الحدّ، وُلد السؤال: ما الحرّيّة؟ ما الوطن؟ ما الإنسان؟

وفي كلّ محاولةٍ للإجابة، يجد الغزّي نفسه أقرب إلى الفلسفة من أيّ فيلسوفٍ في صومعته البعيدة، لأنّ الأسئلة هنا لا تُطرح على الورق، بل تُعاش في الجسد، في الخوف، في الانتظار، في نظرة طفلٍ نحو الأفق المغلق.

كما أنّه بات مرآة للزمن؛ فيه يتجمّد الوقت، فلا ماضٍ ينقضي ولا مستقبل يبدأ.

الزمن هنا يتنفّس ببطء، كأنّ اللحظة تخاف أن تتحرّك كي لا تصطدم بالرصاص، ومع ذلك يظلّ الإنسان يقاوم هذا السكون بالخيال، بالزراعة قرب الأسلاك، بالرسم على الجدران، بالكتابة، بالحبّ، بالضحك في وجه الفراغ.

إنّها مقاومة فلسفية: أن تؤمن بأنّ الوجود نفسه فعلٌ من أفعال التحدّي.

ربّما الخطّ الأصفر لا يفصل بين أرضٍ وأخرى فحسب، بل بين حقيقتين:

الأولى، أنّ العالم قَبِل أن تُختزل غزّة في مساحةٍ من الرمل والموت.

والثانية، أنّ الغزّي لم يقبل بذلك، فحوّل الحدّ إلى معنى، والمكان إلى فكرةٍ عن الصمود.

هنا يصبح اللون الأصفر، لون التحذير والخطر، لوناً آخر: لون الوعي والانتباه الدائم إلى أنّ الحلم لا يموت، بل يتحوّل إلى شكلٍ جديدٍ من الوجود.

إنّ الخطّ الأصفر، في جوهره، دعوةٌ إلى التأمّل في طبيعة القيود؛ فكلّ قيدٍ يضعه الإنسان على الإنسان يكشف هشاشته هو، لا قوّة سلطته، وكلّ حدود تُرسم لحبس الحلم تولّد حلماً آخر أكثر اتساعاً.

وهكذا، حين ينظر الغزّي إلى هذا الخطّ، لا يراه نهاية الطريق، بل بداية السؤال:

كيف يمكن للحياة أن تستمرّ رغم كلّ ما يُغلقها؟

وكيف يمكن للنور أن يمرّ من ثقبٍ في الجدار؟

في نهاية التأمّل، يبدو الخطّ الأصفر رمزاً للإنسان نفسه: كائنٌ يعيش على الحافة، يلمس الخطر بيدٍ، ويزرع الحلم بالأخرى.

إنّه صرخةٌ متجمّدة في الرمل، الحدّ بين الجملة والرقابة، بين القصيدة والمقصّ. لا يحرس حدود الوطن، بل يحرس فكرة الحصار، يمدّ ظلَّه كإلهٍ أصمّ لا يسمع سوى أوامر الموت، يمتدّ في الذاكرة أكثر ممّا يمتدّ في الجغرافيا، إنّه الخطّ الفاصل بين ما كنّا نظنّه حياةً وما تبقّى منها.

من المؤسف جدّاً أن تكون من جيلٍ تربّى على الأمان الاصطناعي، على الرقابة، على الخوف من الحرّيّة نفسها.

ولذلك لم يَعُد الخطّ الأصفر حاجزاً خارجياً فحسب، بل صار وشماً داخليّاً في العقول، يرسم المسافة التي لا ينبغي تجاوزها، حتى في الخيال.

دلالات