الثورة النقدية" الكوبرنيكية" في فلسفة إيمانويل كانط

31 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 31 يوليو 2025 - 00:38 (توقيت القدس)
+ الخط -

 

تُعَدُّ الفلسفة النقدية التي أسّسها إيمانويل كانط نقطة تحوّلٍ جذرية في تاريخ الفكر الفلسفي، إذ جاءت لتُعيد النظر في إمكانات العقل وحدوده، وتُعيد صياغة الأسئلة الميتافيزيقية من منظور نقدي صارم. 

ولم يكن همُّ كانط إعادة إنتاج الأسئلة التقليدية حول الوجود والمعرفة والميتافيزيقا، بل كان سعيه موجَّهًا نحو مساءلة شروط إمكان المعرفة ذاتها، وذلك بعد أن تنبّه إلى المآزق المعرفية التي وقعت فيها الفلسفتان العقلانية التي يمثلها كلٌ من (ديكارت، اسبينوزا، لايبنتز...) الذين اعتقدوا أنّ "العقل وحده" يمكنه الوصول إلى المعرفة اليقينية عن العالم، من دون الحاجة إلى التجربة. والتجريبية التي يمثّلها كلٌ من جون لوك وديفيد هيوم وجورج  بيركلي... الذين قالوا إنّ المعرفة تنبع من التجربة الحسية فقط، وأنّ العقل لا يحتوي على أيّ معارف فطرية. فقد دفعه الشك المنهجي الذي بَثَّه ديفيد هيوم في نسق المعرفة البشرية إلى أن يستفيق، بحسب تعبيره، من "سباته الدوغمائي"، ويشرع في تشييد فلسفة قائمة على نقد العقل الخالص، متجاوزًا بذلك النزعة التجريبية التي اختزلت المعرفة إلى خبرة حسية، والنزعة العقلانية التي أسندت إلى العقل قدرة غير مشروطة على بلوغ الحقائق المطلقة.

ينطلق كانط من فرضية إبستمولوجية مفادها أنّ كلّ معرفة تبدأ بالتجربة، لكنها لا تنشأ بالضرورة عنها. فالتجربة الحسية تُقدّم للذهن مادة المعرفة، غير أنّ العقل لا يظلّ متلقِّيًا سلبيًّا، بل يتدخّل تنظيميًّا عبر مبادئه القبلية، مُشكّلاً من خلال ذلك نسقًا معرفيًا تركيبيًا. فالمكان والزمان، وفقًا للمنظور الكانطي، لا يُعدّان معطيَين تجريبيين، بل هما صورتان قبليتان في الذهن، من خلالهما تُضبط المعطيات الحسيّة وتُرتّب. وهكذا، فإنّ الوعي الإنساني لا يستقبل الموضوعات كما هي في ذاتها، بل كما تظهر له ضمن الشروط الذهنية المُسبقة التي يشكّلها. إنّ هذا المنظور لا يُنتج فقط معرفة ذات طابع إنساني محض، بل يؤسّس لفهم جديد لعلاقة الذات بالعالم، فالمعرفة ليست كشفًا عن واقع خارجي مُستقل، بل هي صياغة لهذا الواقع وفق البنى التحتية للعقل.

المعرفة ليست كشفًا عن واقع خارجي مُستقل، بل هي صياغة لهذا الواقع وفق البنى التحتية للعقل

ويُضيف كانط إلى هذا البُعد التصوّري بنيةً عقليةً أخرى تتمثّل في مقولات الفهم، وهي مفاهيم عقلية "قبلية" كالوحدة، والكمّ، والعلّية، تُنظّم بها الذهنُ الخبرة الحسية وتحوّلها إلى معرفة موضوعية قابلة للحكم. إنّ المفاهيم من دون معطيات حسية تظلّ فارغة، والمعطيات الحسية من دون مفاهيم تبقى عمياء، كما يقول كانط، وهو ما يؤكّد الطابع التركيبي للمعرفة عنده." فالعقل" ليس مرآةً عاكسةً للواقع، بل فاعلٌ مُنظِّمٌ له، والموضوع المعرفي ليس شيئًا مستقلًا عن الذات، بل هو ناتج عن تفاعل معقّد بين الحدس الحسي والتنظيم العقلي. بهذا المعنى، لا تُفهم الحقيقة كمُطابقة بسيطة بين الذهن والعالم، بل كتركيب قبلي وتجريبي بَعْدي يُنتِج الواقع كما يظهر للذات.

إنّ هذا التحليل المزدوّج للمعرفة جعل كانط يميّز تمييزًا صارمًا بين الظواهر والأشياء في ذاتها. فما ندركه هو دوماً الظواهر، أي الأشياء كما تظهر لنا عبر التجربة، لا كما هي في ذاتها مستقلة عن كلّ وعي. أما "الشيء في ذاته" فهو موجود بحسب الضرورة العقلية، لكنه لا يخضع لشروط إدراكنا، ومن ثمّ فهو متعالٍ عن المعرفة الإنسانية. هذا التمييز لا يهدف إلى نفي الواقع، بل إلى بيان أنّ العقل لا يمكنه النفاذ إلى حقيقته الجوهرية، ما لم يكن ذلك عبر وسائطه التنظيمية التي تُقوْلِب الواقع في قوالب مفهومية وزمانية ومكانية محدّدة. إنّنا لا ندرك العالم كما هو، بل كما يتجلّى لنا ضمن الشروط التي يفرضها العقل ذاته. وهكذا، فإنّ كانط يقيم قطيعة مع الميتافيزيقا الكلاسيكية التي كانت تدّعي بلوغ الحقيقة المطلقة، ويعيد توجيه الفلسفة نحو دراسة شروط الإمكان بدلًا من ملاحقة ما يتجاوز الإدراك.

لم يكن همُّ كانط إعادة إنتاج الأسئلة التقليدية حول الوجود والمعرفة والميتافيزيقا، بل كان سعيه موجَّهًا نحو مساءلة شروط إمكان المعرفة ذاتها

لقد أفضت هذه المواقف إلى نتائج بعيدة الأثر في ميدان الميتافيزيقا. إذ أعلن كانط بوضوح أنّ الميتافيزيقا بوصفها معرفة يقينية عن الله، والعالم، والروح، غير مُمكنة ما لم تكن "خاضعة للنقد". فهذه الموضوعات، لكونها مُتعالية عن التجربة، لا يمكن إخضاعها لنفس شروط المعرفة العلمية التي تقوم على "الحدس الحسي" والمقولات العقلية. ومع ذلك، لم ينفِ كانط مشروع الميتافيزيقا، بل أعاد توجيهه ليغدو مبحثًا في شروط إمكان التجربة، لا في ادّعاء معرفة ما وراءها. وهكذا، فإنّ "العقل النظري"، في منظور كانط، له حدوده التي ينبغي احترامها، أما الأسئلة الكبرى عن الحرية، والخلود، ووجود الله، فإنها تُركت "للعقل العملي"، أي للبعد الأخلاقي في الإنسان، حيث تبرز ضرورة تلك الأفكار لا بوصفها موضوعات معرفة، بل كافتراضات أساسية في سلوكنا الأخلاقي الحر. فالإيمان الأخلاقي بالله والخلود ليس معرفة، بل ضرورة عملية لضمان المعنى الأخلاقي للفعل.

بهذا التمييز الدقيق بين العقل النظري والعقل العملي، أعاد كانط توزيع وظائف العقل بطريقة تحفظ للميتافيزيقا مكانتها دون السقوط في "أوهامها". فإذا كانت المعرفة العلمية مشروطة بالتجربة والتنظيم العقلي، فإنّ الفعل الأخلاقي ينبع من العقل بوصفه مشرّعًا ذاتياً، لا من التجربة. وهكذا تُبنى الحرية على استقلالية الإرادة، لا على شروط الطبيعة، وتُستعاد مفاهيم الله والخلود ليس على أساس "برهاني"، بل على أساس استلزامات "الفعل الأخلاقي". لقد حافظ كانط، بهذا المعنى، على الميتافيزيقا كأمل، كفلسفة بمعناها التأملي ، وإن لم يعترف بها كعلم.

الذات العارفة ليست متلقّية سلبية، بل هي أصلٌ بنيوي لإنتاج العالم كما يُعاش ويُفهم

إنّ الطابع الثوري لفلسفة كانط النقدية لا يكمن فقط في محتواها الإبستمولوجي أو الميتافيزيقي، بل أيضًا في طريقتها. فقد تجاوز "المنطق الصوري الارسطوي التقليدي"، وأسّس لما يُعرف بـ"المنهج الترانسندنتالي"، الذي يدرس الشروط القبلية الضرورية التي تجعل المعرفة البشرية ممكنة، والذي لا يسأل عن الأشياء بما هي عليه، بل عن الشروط التي تجعل من معرفتها ممكنة. فالسؤال الفلسفي لم يعد ماذا يوجد؟ بل كيف يُمكن لنا أن نعرف ما يوجد؟ لقد أصبحت الفلسفة مع كانط نقدًا للعقل من داخل بنيته، لا مجرّد تأمل نظري فيما هو موجود. وهنا يكمن تفرّد مشروعه الفلسفي، الذي أعاد تشكيل ملامح الفلسفة الحديثة برمّتها، وأسّس لمنهج نقدي بلغ ذروته في التيارات المثالية، ثم في الظاهراتية، والوجودية، بل وحتى في التحليلات المعاصرة لفلسفة اللغة والعقل.

بذلك أسّس كانط فلسفة نقدية لا تنفي إمكان المعرفة، بل تضبط شروطها وحدودها، وتُعيد للعقل إنجازه المشروع من دون الوقوع في مطامحه الميتافيزيقية الوهمية. فالمعرفة ليست نسخًا للواقع، بل تركيب قبلي وتجريبي في آن معاً، والذات العارفة ليست متلقّية سلبية، بل هي أصلٌ بنيوي لإنتاج العالم كما يُعاش ويُفهم. إنّ هذه الثورة "الكوبرنيكية" التي أحدثها كانط في الفلسفة الحديثة، لم تُنهِ الميتافيزيقا، لكنها حرّرتها من الأوهام، وفتحت أمام الفكر أفقًا نقديًا جديدًا يُسائل ذاته باستمرار، ويُعيد رسم الحدود بين "ما يمكن معرفته، وما ينبغي الإيمان به، وما يجب علينا فعله"، وهي الثلاثية التي ستُصبح لاحقًا محور فلسفته العملية والنظرية على السواء.