التغيّرات الحاسمة في المنظمات النسوية
سلوى زكزك
لا يمكن إنكار وجود منظمات نسوية سورية، سواءً بالعنوان والتوصيف أو بالمضمون. وقد تأسست أغلب هذه المنظمات ونَمَت وتوسّعت خلال سنوات الثورة السورية.
ومن الواجب الاعتراف بكل ما أنجزته هذه المنظمات على صعيد الحركة النسوية، ولا سيّما إدراج مفهوم النسوية شرطاً للانخراط في عملها، أو عبر إطلاق خطاب نسوي واضح وعلني، يستند إلى قاعدة نسوية فكرية وإجرائية.
ويبدو ضرورياً أيضاً الإشارة إلى وجود منظمات لم تعلن هويتها النسوية، لا بالاسم ولا بالهوية التعريفية الخاصة بها، وهي موجودة منذ مدة طويلة، لكنها كانت السبّاقة في التدريب على الجندر ومفهوم النوع الاجتماعي، كما قدمت تدريبات وندوات عديدة للتعريف بالاتفاقيات الدولية الخاصة بالنساء، ولا سيما اتفاقية سيداو، التي تُعد حجر الزاوية في مواجهة جميع أشكال العنف القانوني والديني والثقافي والمجتمعي الذي تواجهه النساء السوريات، كما تُعد اتفاقية سيداو، الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وثيقة حقوقية عالمية ناظمة لحقوق النساء، وتُلزم الدول الموقعة عليها بتقديم ضمانات والتزامات قانونية رسمية لحماية النساء، وتثبيت مواقعهنّ الاجتماعية والقانونية والثقافية والمعرفية والاقتصادية بوصفهن شريكات فاعلات، لا مجرد ملحقات أو ضحايا.
ومن الواجب الاعتراف بكل ما أنجزته هذه المنظمات على صعيد الحركة النسوية، ولا سيّما إدراج مفهوم النسوية شرطاً للانخراط في عملها
كان لسقوط النظام آثار كبيرة على مجمل واقع المنظمات النسوية. وقد تجاوزت هذه الآثار حدود الانقسامات في المواقف، لتصل إلى مستويات يمكن توصيفها بالانقسامات الحادة جداً. وقليلات هن اللواتي لم تطاولهنّ هذه الانقسامات وما رافقها من خلافات عميقة، تحولت بسرعة إلى صراعات حادة طفت على السطح واتسعت، واضعة الجميع في حالة مواجهة دفعت بعض العضوات إلى دق ناقوس الخطر، فيما اختارت أخريات الانسحاب أو تجميد العضوية، في أحسن الأحوال.
ويبدو أن الأخطر على واقع العمل النسوي وهذه المنظمات هو انتقال الخلافات التنظيمية والبنيوية، والتناقضات الحادة في المواقف، إلى صفحات التواصل الاجتماعي، بهدف التحشيد وحشد الدعم وتوسيع دائرة الإدانة والتخوين للطرف الآخر. فما حدث، بكل بساطة، هو انقسام بنيوي عميق فرضه غياب القاعدة الأساسية للتحالف، القائمة على القيم الثورية المرتبطة بالثورة السورية، وعلى موقف جذري يقوم على القطيعة مع النظام السابق وكل آليات عمله، سواء في السياق الوطني أو النسوي، إضافة إلى التباين الحاد في الموقف من السلطة الحالية وآليات عملها، التي شكّل بعضها تراجعاً كبيراً حتى عن السياسات والآليات التي كانت مطبقة سابقاً.
سعت جميع هذه المنظمات إلى الحصول على التراخيص، لأن مساحة العمل الحقيقية يجب أن تكون داخل سورية. وكان على الجميع، حتماً، تغيير أسماء منظماتهم؛ فبعضهن حذف كلمة "النسوية"، وبعضهن حذف كلمة "الثورة"، فيما اختار البعض الآخر اسماً جديداً بالكامل. لكن يمكننا أن نلاحظ بوضوح ليس غياب عبارة "النسوية" فحسب، بل الحضور الطاغي لعبارة "نسائية". وهناك، بالطبع، فرق بنيوي وقيمي ووظيفي هائل بين العبارتَين.
الخطر الأكبر هو في التخلي عن النسوية مراعاةً للسلطة الجديدة أو انسجاماً مع شروط الترخيص، التي تعتبر النسوية أمراً مرفوضاً تماماً
غير أن الخطر الأكبر، برأيي، لا يكمن في الفرق بين المصطلحَين فحسب، بل في التخلي عن النسوية مراعاةً للسلطة الجديدة أو انسجاماً مع شروط الترخيص، التي تعتبر النسوية أمراً مرفوضاً تماماً، وتنظر إليها بوصفها انتساباً إلى هوية غربية غريبة عن القيم والتقاليد الدينية والمجتمعية والقانونية السورية. وقد وصل الأمر إلى حد تحوّل النسوية بحد ذاتها إلى تهمة رسمية وشعبية، يحمّلها كل طرف ما يشاء من الآثام والمثالب ليهاجمها. والأكثر تهجماً وافتراءً يربطها بالمثلية، التي يسمونها "شذوذاً"، وفي أحسن الأحوال تُربط بالعلمانية، لا لتخفيف حدة الموقف منها، وإنما لترسيخ قاعدة الرفض المطلق، وربطها بخطاب تجريمي وتكفيري وترهيبي.
إن التغييرات الحاسمة التي أصابت مسار المنظمات النسوية سمحت، للأسف الشديد، بطغيان فئة على أخرى عبر اتباع أساليب مثل التكتلات، ومحاولة إلغاء الإرث النضالي، حتى للرائدات المؤسسات. وتُوّج ذلك بمحاولة واضحة لإزاحة كل من يخالف الرأي، أو كل من تمسك بالخط الأساسي الذي انتسب إلى المنظمة على أساسه. وفي أحسن الأحوال، دُفع هؤلاء إلى أحد ثلاثة خيارات: الانسحاب، أو تجميد العضوية، أو الاستمرار تحت وطأة الالتزام بضرورة البقاء حرصاً على المنظمة، ومنعاً لانفراطها أو تسليمها للجهات الغالبة. لكنها، في النهاية، جميعها خيارات قاصمة، مهما بدت اضطرارية أو منسجمة مع مناخ عام تسوده محاولات الهيمنة من الطرف المنتصر بمنطق الغلبة.