الاغتصاب ما بين السجن والمجتمع

30 أكتوبر 2025
+ الخط -

يمثل الاغتصاب في السجون واقعًا مرعبًا يجري التلاعب به من الجناة ومن المرجعيات القانونية، وحتى من قبل ضحاياه، خصوصًا عند إنكار حدوثه تجنبًا للوصمة المجتمعية، أو المبالغة في تأكيد حصوله وربما تكراره من قبل الضحايا لكسب التعاطف أو لتشديد الإدانة، ومن الجناة الذين يعتبرون أنهم الوحيدون المرخص لهم بتطبيق العقاب، معتقدين أنهم بذلك يمنحون أنفسهم قوة فائقة وترهيبًا وسطوة مهنية ومجتمعية معًا.

يشكل الاغتصاب موطنًا للرعب وأداة للتهديد المباشر، وإن لم يتحقق فعل الاغتصاب الذي يتسبب بآثار فادحة السوء شخصية واجتماعية، مباشرة وغير مباشرة. خصوصًا على النساء، اللاتي يسعين لإنكار حدوث الاغتصاب خوفًا من عائلاتهن أو خوفًا على مشاعر أفراد العائلة، خصوصًا في مجتمعٍ ما زال غير مرحبٍ بعودة المخطوفات فرديًا أو جماعيًا، فكيف بالمغتصبات الخارجات من أبشع مراكز التوقيف والاعتقال وأقذرها.

يرتبط الاغتصاب أولًا وآخرًا بجريمة أساسية، هي احتجاز الحرية، والاحتجاز هو المقدمة الفعلية لارتكاب كل الانتهاكات اللاحقة للاعتقال وحجز الحرية، مثل التلاعب بمصائر النساء واستباحة قدرتهن على حماية أنفسهن بصورة مباشرة لوقف حدوث الاغتصاب، أو الاعتراض والرفض والشكوى وسواها من الطرق المباشرة الشخصية والقانونية لرد الأذى والتخفيف قدر الإمكان من النتائج السلبية عالية الخطورة التي يتسبب فيها الاحتجاز وغياب الحماية والدعم القانوني.

ثمة توافق مجتمعي وإنساني وشخصي على أن اغتصاب النساء في السجون ومراكز التوقيف ونقاط التفتيش وفي أثناء المداهمات، هو أبشع أدوات التعذيب وأشدها أذىً وهمجيةً، ليس للعنف المفرط الذي يمارس فيه وحسب، وليس لارتباطه بفائض القوة ما بين جلاد أو محقق وما بين ضحية مأسورة ومحتجزة حريتها، وليس لارتباطه المعنوي والقيمي بمفهوم الشرف الذي يخص الضحية وعائلتها ومجتمعها بأكمله، بل لأنّ آثاره تتجاوز جسد الضحية إلى كرامتها الشخصية وإلى كرامة العائلة أيضًا، بالإضافة إلى احتمالية حدوث حمل قسري، وهو يعد جريمة مزدوجة بحق المرأة المغتصبة وبحق الجنين الذي سيخرج إلى النور ضحيةً جديدةً محرومةً الاعتراف الرسمي بها، وتبقى ذاكرة الاغتصاب طويلة ومريرة لا شفاء منها، خصوصًا في ظل غياب كل وسائل الرعاية والدعم، وصولًا للشفاء من جرح الاغتصاب، أي إنها ببساطة جريمة مستمرة بحق المرأة التي اغتصبت، وبحق الطفل أيضًا. اللافت أنه بعد أن تلد المرأة الطفل نتيجة الاغتصاب، يُلحق بها تلقائيًا وكأنها اختارت بملء إرادتها أن تكون والدته البيولوجية وأمه الحقيقية، عاطفةً وانتماءً وخيارًا، لا أحد يسألها عن رغبتها من عدمها باحتضانه، بإرضاعه، بقبوله وبأن تكون أمه بقرارها الحر، مع أنّ وجوده معها يذكرها في كل لحظة بالاغتصاب وبالمغتصب، ليست مجبرة هنا على أن تنصت إلى صوت العاطفة، لأن صوت الظلم أقوى وأكثر شراسة وتغولًا! هي فعليًا والدة بيولوجية زُرعَت نواة لحياة في رحمها غصبًا عنها، وفي مكان لا ينتمي إلى الإنسانية بصلة، وفي ذات الوقت عليها وحدها تحمّل نتائج هذه الجريمة البشعة والمدمرة للنساء والأطفال معًا، مع الإشارة إلى أنّ عودة المغتصبة تصبح مستحيلة إذا ما رافقها ابن الاغتصاب، في ظل غياب المؤسسات المعنية باحتضان هؤلاء الأطفال المظلومين ورعايتهم.

في كل التجارب، وفي كل قصص السجون والتعذيب واغتصاب النساء والفتيات، خصوصًا تلك التي تحولت إلى أفلام سينمائية أو إلى كتب أو مقالات عن واقع الأطفال المولودين من الأمهات المغتصبات، يكون التركيز على حق الطفل بالعيش الكريم وبالاحتضان والعيش الكريم.

لكن، في الواقع، ينبغي للأم أن تتناسى الجرح الأصيل، وأن تجبر نفسها على أن تكون أمًا حنونًا ومعطاءة لطفل ترفضه وترفض من زرعه رغمًا عنها في رحمها.

ما بين السجون والمعتقلات والمجتمعات المتعسفة في حقوق النساء المغتصبات ورعاية أطفال الاغتصاب، يضيق العالم كثيرًا، ليمتد السجن من اللحظة الأولى لاحتجاز الحرية وحتى لحظة انتفاء إمكانية العيش، ولو في أرض متسعة وممتدة.

سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك
مدوّنة سورية تقيم في دمشق. تكتب مقالات وتحقيقات صحافية. وصدرت لها ثلاث مجموعات قصصية. تكتب في مواضيع النسوية والجندر وتهتم بقضايا العنف الاجتماعي.