الإعلام الغربي وكسر الصمت تجاه مجاعة غزة

29 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 01:08 (توقيت القدس)
+ الخط -

في مشهد يجسد أفظع صور استهداف المدنيين في الحروب، تتوالى الأخبار المفجعة يومياً عن وفاة الأطفال جوعاً في قطاع غزة المحاصر. جوع يُستخدم سلاحاً ممنهجاً لإزهاق أرواح السكان، ليشهد القطاع كارثة إنسانية متعمّدة، إذ يواصل الاحتلال الإسرائيلي استغلال التجويع أداةً للضغط السياسي، وسط تواطؤ دولي، وخذلان عربي، وصمت إعلامي وأخلاقي مشين.

وإذا لم تتحرك دول العالم قاطبة، فإنّ المجاعة في غزة لن تكون مجرد كارثة، بل جريمة إبادة جماعية معلنة ضد الإنسانية. فمنذ أشهر، تعاملت معظم وسائل الإعلام الغربية مع المجاعة في غزة بصمت مطبق، متجاهلة جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، في تناقض صارخ مع شعاراتها عن حماية الحقوق والحريات والدفاع عن المظلومين.

غير أنّ شيئاً ما بدأ يتغير أخيراً؛ إذ بدأت مؤسّسات صحافية كبرى، حتى تلك المحسوبة على التيار المحافظ، في مراجعة خطابها حيال ما يجري في غزة، تحت وطأة مشاهد الجوع والانهيار الإنساني التي لم يعد بالإمكان إنكارها أو تأطيرها ضمن السرديات الأمنية والسياسية الإسرائيلية.

وقد ساهمت الانتقادات العلنية من الأمم المتحدة وعشرات المنظمات الإنسانية، إلى جانب التصريحات الصريحة من حكومات غربية، في كسر جدار الصمت الإعلامي. ففي بيان مشترك صدر الاثنين الماضي، دعا الاتحاد الأوروبي و28 دولة غربية، بينها بريطانيا وفرنسا، إسرائيل إلى الوقف الفوري للحرب، مستنكرين التدفق غير المنتظم للمساعدات، ومعتبرين أن مقتل أكثر من 800 مدني أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء أمر مروّع وغير مبرّر.

هذا التحول، وإن جاء متأخراً، يعكس محدودية القدرة على إخفاء الحقيقة، لا سيّما حين تبلغ المأساة ذروتها أمام عدسات الكاميرا

هذا التحوّل، وإن جاء متأخراً، يعكس محدودية القدرة على إخفاء الحقيقة، لا سيّما حين تبلغ المأساة ذروتها أمام عدسات الكاميرا وشهادات المنظمات الأممية.

نشرت صحيفة التلغراف البريطانية اليمينية تقريراً بعنوان: "جسدهم يضعف يوماً بعد يوم: أطفال في غزة يتضورون جوعاً حتى الموت"، عرضت فيه صوراً من داخل أحد المستشفيات القليلة المتبقية، توثّق معاناة أطفال يعانون من سوء تغذية حاد. التقرير سلّط الضوء بصرياً وعاطفياً على الأجساد الصغيرة التي ينهكها الجوع، وتضمّن شهادات لأطباء فلسطينيين يواجهون نقصاً كارثياً في الموارد، وأشارت الصحيفة إلى وفاة 33 شخصاً، بينهم 12 طفلاً، بسبب الجوع خلال 48 ساعة فقط.

ومع ذلك، تجاهل التقرير ذكر إسرائيل بوصفها مسبباً في هذه المجاعة، وكأن الكارثة حدثت بمعزل عن سياقها السياسي والعسكري، متغافلاً عن حقيقة أن الاحتلال يفرض حصاراً خانقاً على غزة منذ أكثر من 21 شهراً، ويقصف القطاع يومياً، ويدمّر بنيته التحتية والمنشآت الطبية في واحدة من حروب الإبادة الجماعية على القطاع.

أما صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، فقد تناولت المجاعة من زاوية سياسية ضيقة، في مقال رأي بعنوان "أزمة المساعدات في غزة تخدم حركة حماس فقط". المقال قدم المجاعة أداةً في يد حماس لتعزيز موقفها السياسي، متجاهلاً السياق الإنساني الأكبر والمسبب الفعلي لها.

في فرنسا، خصّصت صحيفة لوفيغارو ذات التوجه اليميني، مساحة بارزة للأزمة، ونشرت تقريراً مصوّراً بعنوان: "خطر المجاعة في غزة هو نتيجة الحصار الإسرائيلي، كما تؤكد فرنسا". التقرير نقل تصريحات مباشرة من الخارجية الفرنسية، تقرّ فيها بأن المجاعة ليست عَرَضاً عابراً، بل نتيجة مباشرة للحصار المستمر.

بدورها، أولت صحيفة ليبراسيون اليسارية اهتماماً بالغاً بالكارثة، وافتتحت عددها في 24 يوليو/تموز بصورة صادمة لطفل من مخيّم الشاطئ أنهكه الجوع، تحت عنوان: "المجاعة في غزة"، نقل التقرير تحذيرات أكثر من مئة منظمة غير حكومية من وقوع مجاعة جماعية، في ظل انعدام المساعدات التي تمنع إسرائيل دخولها.

أما صحيفة لوموند الفرنسية ذات التوجه الوسطي، فقد كرست صفحتها الأولى لتغطية المجاعة، واختارت صورة مؤثرة لامرأة فلسطينية تحتضن طفلها الجائع، بعنوان: "قطاع غزة: ويلات المجاعة". التقرير نقل شهادات مؤلمة عن معاناة الغزيين اليومية، مشيراً إلى أن إسرائيل تعتمد استراتيجية تهدف إلى تفريغ غزة من سكانها.

وفي بريطانيا، تواصل صحيفة الغارديان ذات التوجه التقدمي، تغطيتها المستمرة للإبادة في غزة، عبر مدونة حية تنقل آخر المستجدات من القطاع. أما صحيفة إل باييس الإسبانية، فقد نشرت تقريراً مصوراً يظهر فلسطينيين يصطفون في طوابير للحصول على الطعام، تحت عنوان: "المجاعة في غزة تطلق موجة غضب عالمي"، عاكسةً تصاعد الاستياء الدولي من الكارثة الإنسانية المتفاقمة.

في المقابل، غابت المجاعة عن الصفحات الأولى في صحف أميركية كبرى مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز، التي فضلت التركيز على قضايا داخلية، متجاهلة واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية المعاصرة، التي ترتكبها إسرائيل بدعم سياسي وعسكري من إدارات أميركية متعاقبة.

إن التواطؤ الغربي، والصمت العربي، والدعم الأميركي الراسخ للاحتلال الإسرائيلي، لم تعد مجرد مواقف سياسية، بل باتت شراكة فعلية في جريمة إبادة تُرتكب يومياً ضد شعب أعزل، يحاصر ويجوَّع ويُقتل على مرأى ومسمع من عالم يدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية.