الأمان الاقتصادي بوابة للوطنية
يختبر السوريون والسوريات وعلى نحوٍ شبه يومي مخاضهم الاقتصادي الجديد على وقع تراجع كبير في ميزان الأمان الاقتصادي المنشود.
بعد عام على سقوط نظام الأسد يتبادل السوريون معاً خيباتهم الاقتصادية والمعيشية التي ظنوا أنها ولّت هاربة مع رأس النظام الفار. لكن الواقع الفعلي يفصح عن خيبة واسعة جرّاء ليس عدم تحسن الواقع الاقتصادي فحسب، بل تراجعه إلى أرقام غير مسبوقة ولشموله أعداداً متزايدة ممن ظنوا أنفسهم بأمان ووفرة مقبولة.
تفصح المقابلات مع السوريين في الشارع وهم يتوجهون إلى أعمالهم التي لم تعد مجدية اقتصادياً، ولا منصفة اجتماعياً وغير كافية لسد الاحتياجات اليومية، عن خيباتٍ تتعاظم يصل بعضها إلى حدود الانهيار التام. كما ترسم الجرأة المدفوعة بالقهر وبالعجز ملامح اعتراضات عميقة، صوتها عالٍ وصاخب لكنه متوافق مع حالة شبه عامة، لدرجة أن أحدهم صرخ في إحدى المقابلات معه قائلاً: قولوا للمحافظ (ويقصد محافظ دمشق الذي أصدر أمراً بإزالة بسطات الخضار والفواكه): إن ثورة تونس أشعلها صاحب بسطة!! وتضامن بائع آخر قائلاً: (يلعن أبي إذا ما بحرق حالي بالبنزين)!! واستطرد ثالث بعد أن أوضح بالصوت والصورة حجم وفداحة الأمراض التي يعاني منها وخاصة في ظهره وكتفيه من جراء الأحمال الثقيلة واضطراره لنقل البسطة مرات متعددة للهروب من شرطة المحافظة الساعية لمصادرة بضاعته قائلاً: (لا حدا يفكر يقرب ع رزقي ورزق ولادي)!!
في مكان آخر، بالإضافة إلى شاشات التواصل الاجتماعي والتلفزة، يشتكي السوريون من رفع سعر الكهرباء الذي بلغ ستمئة ضعف بذريعة تحسين جودة الكهرباء. ويمكن تلخيص مدى مرارة الرفع على جيوب السوريين وحياتهم اليومية بالنكتة التي تنتمي للكوميديا السوداء حين قالوا: كنا بس تجي الكهرباء نركض لوصل كل الأجهزة الكهربائية! أما اليوم فنركض لفصل كافة الأجهزة الكهربائية عن التيار!!
كنا بس تجي الكهرباء نركض لوصل كل الأجهزة الكهربائية! أما اليوم فنركض لفصل كافة الأجهزة الكهربائية عن التيار!! نكتة سوداء تختصر مأساة السوريين الاقتصادية
تقول السيدة (ن): ذهبت لخياطة حذائي المنزلي، تفاجأت بارتفاع هائل في أجرة خياطته، والذي يساوي ثلث ثمن حذاء بيتي جديد، وأكملت: من شدة تعاطف مصلح الأحذية معي أهداني مجاناً خيطاً خاصاً بخياطة الأحذية وقال لي: اذهبي إلى البيت، ضعي كشتباناً كبيراً في يدك واستعملي إبرة غليظة وكبيرة واخيطي الحذاء بنفسك. قالت السيدة (ن) وكأنها تواسي نفسها: صحيح انثقبت أصابعي من الإبرة الغليظة وسماكة الخيط وقساوة النعل لكنه في الأخير حذاء بيتي ولا يمكنني هدر كل هذا المبلغ عليه.
بات التحدث عن الوضع الاقتصادي معادلاً طبيعياً لعبارة: بدنا نهج! ما عاد يعاش بالبلد! بلد تحول إلى أرقام مليونية فلكية على الشاشات، في مقابل مساحة واسعة وتتسع يومياً لعروض غزيرة وممتدة لحجم الاحتياجات الأساسية، والتي يتم توجيه نداءات متكررة عبرها إلى فاعلي الخير أو الجمعيات أو السوريين في بلاد الهجرة والاغتراب بلغة عاطفية مؤثرة، وبإلحاح يحذر من مخاطر التأخر بالمساعدة خاصة لأصحاب الحالات الطبية الحرجة.
يبدي الكثيرون علانيةً غضبهم من أنفسهم لاتخاذ قرار البقاء في البلد، ويحلمون بالرحيل عنه بسرعة، كما يؤكد آخرون أن امتلاء المتاجر والمحال والدكاكين وحتّى البسطات بالمواد المعدة للبيع موجع جداً، لأنه يكشف وبوضوح ضعف القوة الشرائية، حتى إنّ أحد باعة الخضار في سوق شعبي في دمشق قال بأسى بالغ: حتى كيس البقدونس الذي يحتوي خمسة وعشرين ربطة من البقدونس قد يمرّ اليوم ولا أتمكن من بيعه، والخضار الذابلة تخسر نصف ثمنها في اليوم التالي.
إن ارتباط الوضع الاقتصادي بالوطنية هو رابطة متينة ومهمة جداً للشعور والتماهي مع الوطن كقاعدة للوجود، لكن السياسات الاقتصادية والنقدية المفروضة وتراجع القدرة الشرائية بسبب غياب السيولة وفقدان عشرات الآلاف لأعمالهم وإغلاق الكثير من الفعاليات الإنتاجية، كلّها تهدد فعلياً بفصل العرى الوطنية بين السوريين والسوريات وسورية.