الأردن.. لماذا لم يحدث التعديل الوزاري الواسع؟

13 اغسطس 2026
+ الخط -

كان الحديث في الأروقة السياسية والإعلامية الأردنية خلال الأسابيع الماضية يتجه بوضوح نحو تعديل وزاري واسع، بل إن بعض التسريبات تحدثت عن تغيير في عدد كبير من الحقائب، ودخول أسماء جديدة إلى الفريق الحكومي، وخروج وزراء لم يحققوا المستوى المأمول من الأداء.

لكن ما خرج إلى العلن في النهاية جاء مختلفاً تماماً؛ فلا وزير جديد دخل الحكومة ولا وزير غادرها، باستثناء إعادة ترتيب المواقع، ودمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، ورفع وزيرين إلى منصب نائب رئيس الوزراء.

سبب التراجع عن السيناريو الأوسع

إذا كان الحديث السابق عن تعديل واسع قد استند إلى تقييم لأداء الفريق الوزاري، فما الذي تغيّر حتى انتهى التقييم إلى الإبقاء على الوزراء جميعاً؟ وهل اقتنع رئيس الوزراء الأردني جعفر حسّان فجأة بأن الفريق الحالي هو الأنسب للمرحلة المقبلة، أم أن حسابات سياسية أخرى حالت دون فتح باب التغيير الواسع؟

رئاسة الوزراء قدمت تفسيراً واضحاً: الأولوية للمشاريع الكبرى، والحاجة إلى الاستقرار وتراكم الخبرة والانسجام داخل الفريق، مع عدم إضاعة الوقت في تبديل الوزراء.

كما أعلنت أن التعديل سيكون محدوداً، وأنه لن يدخل وزراء جدد إلى الحكومة، وأنه يأتي إنفاذاً للاستحقاق الدستوري بعد دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي تحت مسمى وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، إلى جانب تعيين نائبين لرئيس الوزراء.

ثم حُسمت الأسماء اليوم بتعيين مهند شحادة ووليد المصري نائبين لرئيس الوزراء، وعزمي محافظة وزيراً للتربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية.

وهذا تفسير إداري يمكن فهمه، لكنه لا يلغي السؤال السياسي.

في الأنظمة السياسية التي اعتادت التعديلات الوزارية، يكون خروج وزير ودخول آخر رسالة بحد ذاته؛ رسالة إلى الشارع، وإلى النواب، وإلى مؤسسات الدولة، وإلى الوزير نفسه، بأن الأداء يخضع للمحاسبة والتقييم. ومن هنا، فإن الإبقاء على الفريق كاملاً يحتاج إلى تفسير لا يقل أهمية عن تفسير استبداله.

رئاسة الوزراء قدمت تفسيراً واضحاً: الأولوية للمشاريع الكبرى، والحاجة إلى الاستقرار وتراكم الخبرة والانسجام داخل الفريق، مع عدم إضاعة الوقت في تبديل الوزراء

التعديل الذي لم يحدث

ربما يكون جعفر حسّان قد خلص فعلاً إلى أن تغيير الوزراء في هذه المرحلة سيضر أكثر مما ينفع، وأن الحكومة بحاجة إلى وقت لتنفيذ ما تراكم لديها من برامج ومشاريع.

ومن الوارد أنه رأى أن التعديل الواسع بعد فترة قصيرة نسبياً من تشكيل الحكومة سيعيد الفريق إلى نقطة الصفر، ويعطي انطباعاً بأن الحكومة غير مستقرة أو أن أداءها لم يكن بالمستوى المطلوب.

لكن هناك قراءة أخرى، وهي أن التراجع عن التعديل الواسع ربما لم يكن نتيجة اقتناع كامل بعدم الحاجة إليه، بقدر ما كان نتيجة إعادة حساب للكلفة السياسية التي يمكن أن تنتج عن تغيير عدد كبير من الوزراء.

فالاستغناء عن وزراء يعني فتح ملفات الأسماء والبدائل والتوازنات والمناطق والاعتبارات السياسية والاجتماعية، بينما يستطيع رئيس الوزراء أن يحقق قدراً من إعادة ترتيب حكومته من دون فتح كل هذه الأبواب.

وهذا ما يجعل تعيين مهند شحادة ووليد المصري في منصبي نائبي رئيس الوزراء، وإسناد وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية إلى عزمي محافظة، أكثر أهمية.

وبهذا لا تتغير الحكومة كثيراً من حيث الهيكلة، لكنها تعيد ترتيب بعض مراكز الثقل من الداخل، وتغيّر شيئاً في خريطة الأدوار والمسارات.

وبهذا التعديل يصبح الحديث عن "تحسين الأداء" أقل وقعاً، ليبدو أن التحسين لا يكون دائماً بإخراج وزير وإدخال آخر؛ فقد يكون بإعادة توزيع الصلاحيات، ورفع مستوى بعض الوزراء، ووضع الملفات التي يريد رئيس الوزراء دفعها في أيدي أشخاص يراهن على قدرتهم على إنجازها.

التحسين لا يكون دائماً بإخراج وزير وإدخال آخر؛ فقد يكون بإعادة توزيع الصلاحيات، ورفع مستوى بعض الوزراء

ولكن ما زال هذا كله لا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا حدث للتقييم السابق لأداء الوزراء؟

إذا كانت هناك حقائب كانت مطروحة للتغيير فعلاً، ثم لم يتغير أصحابها، فإما أن التقييم قد تغير، أو أن القرار السياسي غلب الاعتبارات المتعلقة بالأداء. وفي الحالتين، نحن أمام سؤال مهم ومحل نقاش.

من اللافت أيضاً أن بعض التفسيرات ذهبت إلى تقديم هذا الخيار باعتباره دليلاً على حكمة حسّان في تجنب التغيير من أجل التغيير، وعلى أن الرجل يريد حماية استقرار فريقه ومنحه فرصة لاستكمال المشاريع.

وهذا تفسير مشروع، لكنه ليس التفسير الوحيد الممكن، ولا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة سياسية مريحة. فقد يكون المطلوب فعلاً حماية الاستقرار، وقد يكون المطلوب أيضاً حماية الحكومة من كلفة تعديل واسع لم يعد رئيسها راغباً في تحمل تبعاته السياسية.

والشارع الأردني في النهاية لا ينظر إلى أسماء الوزراء، وإنما يريد أن يعرف ماذا سيتغير.

هل ستتحسن الخدمات وإدارتها؟ هل ستتراجع البطالة؟ هل ستنجز المشاريع التي تتحدث عنها الحكومة؟ وهل سيشعر المواطن بأن الوزير موجود لمساءلة وزارته ومحاسبتها، لا للبقاء في موقعه؟

لهذا، فإن الاختبار الحقيقي للتعديل المحدود سيكون في ما إذا كان تغيير مراكز الثقل داخل الحكومة سيؤدي إلى تغيير في الأداء.

قد لا تُعلن الإجابة الآن، وقد لا تُعلن أبداً، لكن المؤكد أن الحكومة انتقلت من سيناريو كان يُتداول باعتباره إعادة تشكيل جزئية للفريق، إلى سيناريو أكثر تحفظاً يقوم على إبقاء الوجوه وإعادة ترتيب الأدوار. وهنا ربما يكون جعفر حسّان قد قرر ألا يخوض معركة التعديل الوزاري الواسع، واختار بدلاً منها إعادة هندسة حكومته من الداخل.