احتجاز اللغة واحتجاز الضحايا

23 ديسمبر 2025
+ الخط -

أتجاوز عن الردّ أحيانًا تجنّبًا لـ"وجع الدماغ"، لكنّ مشاهدة مقطع يتهم المعتقلين السابقين بالتسبّب في بقاء رفاقهم داخل السجن أكبر من قدرتي على التجاهل، خاصة حين يصدر في "قعدة حقوقية" يتحدث فيها البعض عن المعتقلين بحضور أسرهم.

في تلك اللحظة، يتحوّل صوت المتحدث (الحقوقي، المعارض، أو الوسيط) إلى امتداد للسلطة نفسها، يُحمِّل الضحايا جريمة الجلّاد، ويؤنّبهم لأنهم لم يتسوّلوا حقوقهم "بأدب"، أو لم يلتزموا الصمت مقابل "السلامة"، مع أن تجارب الصمت والأدب لم تنتج سوى المزيد من الدهس الجماعي اللانهائي.

يستهدف التهديد المسلح الوجود المادي لكنه يمتد إلى الابتزاز اللغوي: ذلك نزعٌ للحقّ من صاحبه، وهذا نزعٌ لتعريفه بوصفه حقاً. كما تشير آرندت في "تفاهة الشر"، الشرّ يتسلل أحيانًا عبر الخطاب اليومي، ويُعاد إنتاجه بوصفه ضرورة واقعية أو سياسية، أم أن تعريف آرندت ألطف من القدرة على وصف هذه الحال؟

ما يحدث ليس مجرد سوء تقدير، بل بناء متدرّج لوعي زائف يبدأ من رأس المؤسسة وينزل في كل طبقات المجتمع حتى يصير "حكمة" مضلِّلة، تختلط فيها الضلالات بالجرائم وتُداس العدالة في كل حال.

إنها عبقرية الاستبداد ووسخه: أن يُبعد نفسه عن حقل الاتهام، وأن يجعل من اللغة حاجزًا يحجب الجريمة أو ينفيها. وما لا يُسمّى، لا يُطالب به أحد

تفرض السلطة قاموسًا محايدًا ينفي وقوع الجريمة أصلًا، وتُلزم الضحية باستخدامه، ثم تُهدّدها إن استعملت لغة الحقيقة: يتحوّل التعذيب إلى "سوء معاملة" و"حوادث فردية"، والاعتقال السياسي إلى "حبس على ذمة قضايا رأي"، والاختفاء القسري إلى "انقطاع اتصال"، وكأن الحقيقة نفسها تحريض.

هنا نرى تطبيقًا عمليًا لما أشار إليه فوكو في تحليله للسلطة والمعرفة: القوة لا تكمن في العنف المباشر فقط، بل في قدرة السلطة على إعادة إنتاج الواقع من خلال الخطاب.

مع الوقت، لا يحتاج الخطاب الأمني إلى رجل أمن وإن لم يتخلَّ عنه؛ الناس أنفسهم (بعض الحقوقيين، بعض الأقارب، بعض "الحكماء" الذين يريدون الهدوء بأي ثمن) يتولّون المهمة. يصبح الخوف موقفًا، والموقف نصيحة، والنصيحة توبيخًا أخلاقيًا مغلّفًا: "اهدأ… إنت بتضرّ زملاءك"، وهكذا يُعاد تدوير الجريمة: الضحية مُدان مرتين، واحدة لأنّه تعرّض للعنف، ثم مُدان لأنّه تحدّث عنه.

بينما تتحكّم السلطة بالقاموس، تتحكّم أيضًا بالمواجهة. تُحوّلها من صراع بين الضحية والجلاد إلى صراع بين الضحايا أنفسهم، يصبح كل معتقل سابق مسؤولًا بطريقة سحرية عن استمرار اعتقال الآخرين، ويُطلب من الأسر أن تُراقب أبناءها، ومن النشطاء أن يراقبوا بعضهم، ومن الجميع أن يراقبوا أي كلمة "مزعجة" قد تفسد "التفاهمات"، وما قد يبدأ حرصًا على مصلحة الناس سيتحوّل للحفاظ على مصلحة صاحبه، ووسيط اليوم قد يصبح سجّان الغد، و"لا دايم إلا وجه الله".

يُقسَّم الضحايا إلى عقلانيين، ومتهورين، واقعيين، ومحرّضين، تُزرَع بينهم بذور الشك واللوم، ومن ثمّ العداء، حتى يصبحوا سجّانين على أنفسهم وسجّانين على بعضهم، يحرسون ظلّ السجّان بينما السجّان الحقيقي في ظلّه الآمن.

يبلغ العبث قمّته حين تتحقق الشروط التي لطالما طالبت بها السلطة ضمنيًا: إخراس فلان أو ضبط علّان.

قد يتحقق بالصمت القسري، أو بالقاموس الرسمي، أو بالانسحاب التام من المجال العام، أو، في أقسى الحالات، بالانهيار الشخصي، بالعزلة، بالاكتئاب، أو حتى بالانتحار.

وحين يُخمَد الصوت، لا تُحاسَب السلطة، بل الوسطاء، الأصدقاء، العائلات، المنظمات، كل من فشل في تهدئته، أو تركه يكتب، أو حتى من أساءوا الضغط.

في هذه الآلية الناعمة القاتلة، تُصبح الجريمة بلا فاعل؛ الضحية مطالبة بأن تبرئ الجاني كي لا تتهم نفسها، واللغة تُنكر الجريمة، والنشاط يُعاقَب لأنه يسمّيها، ومجتمع الضحايا يُدفع لافتراس نفسه، بينما يظل صاحب الفعل، وصاحب التعريف، وصاحب القوة (صاحب الجريمة)، في مأمن تام.

إنها عبقرية الاستبداد ووسخه: أن يُبعد نفسه عن حقل الاتهام، وأن يجعل من اللغة حاجزًا يحجب الجريمة أو ينفيها.

وما لا يُسمّى، لا يُطالب به أحد؛ وما لا يُعترَف بوجوده، لا ينال يومًا فرصة العدالة، وهكذا تصبح المعركة أكبر من السجن وحده: معركة ضد اللغة التي تحرس السجن، وضد الخطاب الذي يخنق الحقيقة قبل أن تُقال.

وتبلغ ذروة المهزلة حين لا تكتفي السلطة بنقل الجريمة إلى ضحاياها، بل تسعى لاحتكار اللغة نفسها، تفرّغ الكلمات من معناها، وتعيد تعبئتها بمدلول يبرئها ويدين الضحية في آن واحد.

يصنعون قاموسًا محايدًا مخصيًا، يجبرون الجميع على استخدامه، ويحوّلون أي رفض له إلى تهديد بالحياة أو بالحرية.

وبينما يطارد الضحايا بعضهم البعض، يبقى الجلاد خارج المشهد، يراقب التخبّط والتحوّل ويبتسم.

ومن هنا يتجلّى جوهر المحو الإدراكي؛ ليس مجرد إسكات الضحية، بل نزع القدرة عن المجتمع على إدراك الحقيقة، وإعادة إنتاج السلطة بلا معارضة، بلا اسم، وبلا ذاكرة، لتبقى الجريمة حاضرة، لكن بلا فاعل، بلا لغة، وبلا حساب.