أميركا "السنية والشيعية": كيف حوّلت الطائفية إلى استراتيجية هيمنة؟

01 سبتمبر 2025
+ الخط -

من يتتبع مسار السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، يكتشف سريعاً أن واشنطن لم تُحدّد يوماً موقفها من المنطقة على أساس عقائدي أو أيديولوجي صافٍ، بقدر ما اعتمدت على إدارة التناقضات وتوظيف الهويات الدينية والمذهبية والقومية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية الكبرى. فقد استغلت الولايات المتحدة الخلل في بنى القواعد الطائفية والدينية والاجتماعية في المنطقة العربية، عبر التعاون المشروط ومدّ جسور النفوذ تحت ذريعة المصالح المتبادلة، فكانت تارة "جهادية"، وأخرى "سنية"، وثالثة "شيعية"، وأخيراً محسوبة على "الملة والجماعة"، وكل ذلك بما يضمن استمرار نفوذها.

تعود بداية اللعبة إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين شجّعت الولايات المتحدة –بتنسيق مع دول عربية وإسلامية– على تعبئة "الجهاد الأفغاني" ضد الاتحاد السوفييتي. فُتحت الحدود، وسُهّلت حركة "المجاهدين العرب"، ودُعمت التنظيمات الدينية المسلحة بالمال والسلاح والغطاء السياسي. ومن رحم تلك التجربة خرج تنظيم "القاعدة"، الذي تحول لاحقاً إلى ذريعة لتشكيل تحالفات دولية تحت شعار "الحرب على الإرهاب"، رغم أن البذرة وضعت برعاية أميركية وغربية وعربية مشتركة. وما جرى لاحقاً مع "داعش" في العراق وسورية لم يكن بعيداً عن هذا السياق: صناعة كيانات مسلحة ذات طابع "ديني طائفي" ثم توظيفها في لعبة توازنات كبرى.

بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، أعادت واشنطن رسم معادلة السلطة على أسس طائفية، فدعمت القوى الشيعية في الحكم وأقصت المكوّن السني التقليدي بحجة محاربة "السلفية الجهادية" وتنظيم القاعدة. كان ذلك التحوّل التاريخي انقلاباً على قرن كامل من التوازنات التي حكمت المشرق العربي، وأدى إلى تصاعد النفوذ الإيراني في بغداد، وهو ما عاد ليُقلق واشنطن في ما بعد.

بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، أعادت واشنطن رسم معادلة السلطة على أسس طائفية، فدعمت القوى الشيعية في الحكم وأقصت المكوّن السني

كما لم تتردد الولايات المتحدة في محاربة التيارات السنية السياسية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، خصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، حيث صور الإسلام السياسي السني كتهديد للأمن العالمي. غير أنه مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، وجدت واشنطن نفسها مضطرة لإعادة الانفتاح على بعض الحركات الإسلامية، بل وغضّت الطرف عن وصول الإخوان إلى الحكم في مصر لفترة قصيرة، قبل أن تعود وتدعم إقصاءهم.

ومع تفاقم الأزمة السورية وتدخل قوى خارجية منذ 2012، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة جديدة: مواجهة تمدد إيران وحزب الله في سورية. وهنا فتحت قنوات دعم غير مباشرة لبعض الفصائل "السلفية والجهادية"، بما فيها جبهة النصرة سابقاً، عبر وسطاء إقليميين، بهدف تقويض نفوذ طهران في المشرق وإضعاف ذراعها اللبناني، حتى وإن كان الثمن التحالف مع جماعات مصنّفة أميركياً وغربياً على أنها "إرهابية".

ومع سقوط النظام في دمشق، دخلت واشنطن مرحلة جديدة من التناقض: أعادت الانفتاح على سورية بتركيبتها "السنيّة الأنصارية"، وقدّمتها ضمن تحالفات الضرورة كـ"عدو محتمل" لمواجهة إيران وحزب الله. وفي الوقت ذاته دعمت حقوق الأقليات السورية، خاصة الدروز والأكراد، تحت ذريعة حماية المكونات الاجتماعية والدينية. وباتت هذه الأقليات، في كثير من الأحيان، حليفة للاحتلال الإسرائيلي ضد وطنها الأم. وكأن الولايات المتحدة تقول لسورية الجديدة ولجميع العرب: "كنّا شيعة عند احتلال العراق وأفغانستان، واليوم نحن سُنّة بل ومن الملّة والجماعة من أجل القضاء على حزب الله وإيران".

كأن الولايات المتحدة تقول لسورية الجديدة ولجميع العرب: كنّا شيعة عند احتلال العراق وأفغانستان، واليوم نحن سُنّة

لم تكتفِ واشنطن بإعادة تشكيل التحالفات على أسس مذهبية، بل ساهمت أيضاً في تقويض مفهوم الأمن القومي العربي الذي كان يقوم –نظرياً– على حماية الأمة من أي تهديد خارجي، وفي مقدّمته الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ مطلع الثمانينيات (ثورة الخميني، غزو أفغانستان، الحرب العراقية الإيرانية)، تسلّل العامل الطائفي إلى قلب المعادلات السياسية، فتحول الأمن القومي إلى أمن مذهبي.

في لبنان أصبح الأمن الوطني أسيراً لمعادلة "شيعة– سنّة– مسيحيين"، بدل أن يكون موجهاً ضد إسرائيل. وتحولت سورية من دولة مواجهة إلى ساحة صراع مذهبي وعرقي ودولي مفتوح. واليمن من مشروع دولة إلى حرب استنزاف طائفية. والعراق من مركز حضاري عربي إلى ساحة انقسام بين نفوذ شيعي مدعوم من إيران وتهميش للمكون السني.

وبذلك صارت كل دولة عربية ترى في مكونها الطائفي تهديداً داخلياً أو سنداً خارجياً، بدل أن ترى في إسرائيل مصدر الخطر المركزي. بينما انشغلت العواصم العربية بصراعات داخلية مذهبية وعرقية، تمدد النفوذ الإسرائيلي في قلب المنطقة ودولها. وأصبح كيان الاحتلال وشريكه الأميركي اللاعبَين الأكثر أماناً واستقراراً، فيما تغرق الدول العربية في صراعاتها الطائفية التي لا تنتهي.

الخط البياني للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط يكشف بوضوح كيف استُخدمت الهوية الدينية لتكريس النزاع والانقسام. فكانت التحالفات "الطائفية" تتغيّر بتغيّر المصالح، لتبقى شعوب المنطقة الخاسر الأكبر من هذا "الاستثمار القذر" في الانقسام، بينما تحصد واشنطن وتل أبيب المكاسب من لعبة "هندسة الطوائف والملل"، التي أنهكت الأمن القومي العربي وحوّلته إلى أمن طائفي هش، يُبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار استراتيجية الهيمنة "الصهيوأميركية" على مقدرات الأمة.

ياسر قطيشات
ياسر قطيشات
باحث وخبير ومؤلف في السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية، من الأردن.