أشباح في السجلّ المدني.. مأساة "البدون" في غزة التي تسقط عمداً من الذاكرة
في غزة، حيث يتسابق الموت والدمار لحصد الأرواح، وحيث توزع المعاناة بالعدل والقسطاس على مليوني إنسان، ثمة فئة تعيش جحيماً خاصاً داخل الجحيم العام. فئة قرر العالم ألا يراها، وسقطت قصداً أو سهواً من عدسات الكاميرات وتقارير المنظمات، وحتى من وعي الجار والقريب. إنهم "غزيون بلا هوية"، أو من يُعرفون محلياً بـ"البدون". هؤلاء الذين يعيشون بيننا بأجسادهم وأحلامهم، لكنهم في عرف الأوراق الرسمية والأنظمة البيروقراطية: غير موجودين.
للوهلة الأولى، قد يظن المرء أن القصف الإسرائيلي لا يميز بين فلسطيني وآخر، وهذا صحيح من حيث البطش، لكنه غير دقيق من حيث تداعيات النجاة. ففي هذه الحرب الطاحنة، اكتشف هؤلاء الآلاف -الذين قُدرت أعدادهم بعشرات الآلاف منذ سنوات- أنهم ليسوا مجرد ضحايا للاحتلال، بل ضحايا لنظام عالمي ومحلي لا يعترف بالبشر إلا إذا تحولوا إلى "أرقام وطنية يسجلها الاحتلال في السجل السكاني الفلسطيني".
تاريخياً، وكما توثق الحقائق، نشأت هذه المعاناة باعتبارها من "تشوهات" اتفاقية أوسلو وما تبعها. بعضهم عاد إلى أرض الوطن بتصاريح زيارة وانتهت صلاحيتها، وبعضهم دخل عبر الأنفاق، وآخرون سقطوا من السجلات القديمة. النتيجة واحدة: فلسطينيون على أرضهم، لكن الاحتلال الإسرائيلي -المالك الحصري لمفاتيح السجل السكاني- يرفض الاعتراف بوجودهم. هم بالنسبة له "حاضرون غائبون"، لا يملكون جواز سفر، ولا يستطيعون العلاج في الخارج، ولا يحق لهم مغادرة السجن الكبير المسمى "غزة".
لكن الحرب الحالية جاءت لتنكأ هذا الجرح وتعمقه بملح القهر. فبينما يهرع النازحون للحصول على فتات المساعدات، يقف هؤلاء "البدون" عاجزين أمام جدار البيروقراطية الدولية الصماء. المنظمات الإغاثية، التي تدعي الإنسانية، ربطت شريان الحياة بـ"رقم الهوية". فإن لم تكن تملك البطاقة الخضراء المعترف بها إسرائيلياً، فأنت لست جائعاً في عرفهم، ولست نازحاً، ولست مستحقاً للخيمة أو الطحين.
تتجاوز المأساة "الكابونة" وسلة الغذاء؛ لتضرب عصب الحياة المالي. ففي الوقت الذي يحاول فيه الغزيون تدبر أمورهم عبر التحويلات المالية، يجد هؤلاء الأبواب موصدة في وجوههم. البنوك ترفضهم، والمحافظ الإلكترونية لا تعترف بهم. حتى لو أراد قريب لهم في الخارج أن يرسل ثمن رغيف الخبز، فإن النظام المصرفي يقول لهم: "أنتم أشباح، والأشباح لا تملك حسابات بنكية".
وأما الرعب الأكبر، فهو ذلك الذي يجثم على صدورهم عند كل اجتياح بري. حين يتقدم الجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح والمزود بأجهزة فحص البيانات، يقف المواطن العادي خائفاً، لكن "البدون" يقفون مرعوبين. فهؤلاء لا يملكون الأوراق التي تثبت شخصياتهم. غياب "الهوية" هنا قد يعني تهمة جاهزة، ومصيراً مجهولاً يراوح بين القتل الميداني لعدم التعريف، أو الاعتقال، أو الكابوس الأبدي: النفي خارج حدود الوطن بلا رجعة، باعتبارهم "غرباء" دخلاء.
يتفرج هؤلاء بقهر يفتت الأكباد على قوافل المساعدات، ويرون الخيام تُنصب لجيرانهم، بينما ينهشهم الفقر المدقع والعوز، فيهتفون بمرارة تخلع القلوب: "غزة لا عدل فيها!". هي صرخة المظلوم الذي خذله القريب قبل البعيد. لقد حاولت السلطات المحلية في غزة سابقاً منحهم "بطاقة تعريف" (الهوية الزرقاء) لتسيير حياتهم اليومية، لكن المؤسسات الدولية اليوم تضرب بهذه الوثيقة عرض الحائط، وتصر على أن تكون شريكة للاحتلال في حصار هذه الفئة، متجاهلة واقعاً فرضته الظروف السياسية القاهرة.
إن ما يمارسه الاحتلال من منع منحهم "الهوية الرسمية" ليس عبثياً، بل هو جزء من هندسة ديمغرافية خبيثة، وتطهير عرقي ناعم. إنه تضييق ممنهج يهدف لدفع هؤلاء إلى حافة اليأس، ليختاروا بأنفسهم ركوب "سفن الموت" والهرب عبر البحر.
اليوم، وأمام هذه المأساة الصامتة، لا بد من وقفة ضمير. كيف يمكن حل هذه المعضلة في خضم الحرب؟ الحل يبدأ بقرار شجاع من المؤسسات الدولية والإغاثية: الاعتراف بـ"بطاقة التعريف" المحلية بوصفها مستنداً رسمياً لتلقي المساعدات والخدمات البنكية. لا يجوز لمنظمة ترفع شعار حقوق الإنسان أن تكون أداة طيعة في يد الاحتلال لتجويع الآلاف.
إن "البدون" في غزة ليسوا مجرد قضية هامشية، بل هم جرح نازف في خاصرة العدالة الإنسانية. إنهم يستحقون منا الصراخ بأصواتهم المبحوحة، ومساندتهم للحصول على أبسط الحقوق: الحق في أن يكونوا مرئيين، والحق في الاسم، والحق في رغيف الخبز، والحق في ألا يموتوا نكرات بلا قبور معروفة وبلا أرقام.